حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٣٢ - ٣٧ التوبة
و على الجملة، لا شكّ في كفاية التوبة لإسقاط استحقاق العقاب و محو أثر المعصية السابقة فيما يرجع إلى حق اللّه جلّ جلاله من جهة إخباره تعالى تفّضلا (لا عقلا) في جميع الموارد المتقدّمة و نظائرها، كما مرّ وجهه في الجهة السابقة، و إنّما الكلام في كفايتها لإسقاط ما يرجع إلى حقّ الناس حتى بعد عدم التمكّن من استرضائهم.
و أعلم، أنّ اللّه تعالى هو مالك الناس، و له الأمر و الحكم كيف يشاء، و يجوز له تعالى عقلا العفو عن حقوق الناس، و ليس فيه أيّ محذور عقليّ، خصوصا إذا عوّضه من قبله و أرضاه، فإذا أمكن ذلك ثبوتا يمكن أن نقول به إثباتا؛ لإطلاق جملة من الآيات و الروايات الدالّة على كفاية التوبة عن الذنب، و عدم مقيّد يقيّدها بحقّ اللّه سبحانه وحده، و هو رفع استحقاق العقاب، بل مقتضاها إسقاط حقوق الناس أيضا، إلّا ما خرج بالدليل كردّ الأموال عينا أو مثلا و قيمة، و كتمكين الغير من إقامة الحد على نفسه، و نحو ذلك؛ و لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَ لَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ.[١]
فإنّ المستفاد منه أنّ العذاب ليس مترتّبا على مجرّد عذاب المؤمنين و المؤمنات، بل عليه و على عدم التوبة، فإذا تاب الفاتن فلا يعذّب و إن لم يعتذر إلى المظلوم و لم يسترضيه، كما هو قضيّة إطلاق الآية، إلّا أن يناقش فيه باختصاص الآية بالكفّار، و عدم شمولها للمؤمنين.
و من الظاهر أنّ توبة الكافر هو إيمانه و قد اشتهر «أنّ الإسلام يجبّ ما قبله»، و عليه السيرة أيضا، بل صحيحة زرارة تدلّ على عدم كفاية التوبة في حقوق الناس و أموالهم، فقال الباقر عليه السّلام فيها: «ما من أحد يظلم مظلمة إلّا أخذه اللّه بها في نفسه و ماله، فأمّا الظلم الذي بينه و بين اللّه، فإذا تاب غفر له».[٢]
فإنّ الظاهر منه أنّ التوبة إنّما تؤثّر في محو ذنوبه التي لا ترجع إلى الناس، بل هي
[١] . البروج( ٨٥): ١٠.
[٢] . وسائل الشيعة، ج ١١، ص ٣٣٨.