حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٤٠ - ٣٧ التوبة
و ثانيتهما: بعد توبته بالرجوع عليه بقبول التوبة، و يشير إلى الأولى قوله تعالى:
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا.[١]
ثمّ التوبة على العبد واجبة إمّا عقلا و شرعا، أو عقلا فقط. و أمّا على اللّه تعالى، فالتوبة الثانية واجبة من جهتين: من جهة إخباره بأنّه يقبل التوبة حتى أطلق على نفسه قابِلِ التَّوْبِ و اللّه تعالى لا يخلف وعده، و من جهة تصريحه بوجوبها على نفسه في الجملة في قوله: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ ...؛ إذ كلمة «على» تفيد الوجوب كما في قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ، و أمّا التوبة الأولى، فبناء على وجوب اللطف عليه تعال فهي أيضا واجبة عليه تعالى، لكن ذكرنا في علم الكلام ما يضعف دليل قاعدة اللطف الواجب.
الجهة العاشرة: قال اللّه تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً.[٢]
أقول: المستفاد من الآية تبديل سيّئات الذين رجعوا عن كفرهم و آمنوا و عملوا صالحا حسنات، فلا دلالة على أنّ توبة المؤمنين توجب تبديل سيّئاتهم حسنات، كما توهّم بعض الأفاضل، لكنّ الظاهر من الروايات الواردة حول الآية[٣] شمولها للمؤمنين أيضا، و أنّ اللّه يبدّل سيّئاتهم حسنات يوم القيامة برحمته و فضله، إلّا أنّه ليس فيها بسند معتبر ما يدلّ على ذلك في حقّهم، بل مع فرض توبة المؤمنين لا يبقى سيّئة لهم في القيامة حتّى تتبدّل بالحسنة، فشمول الآية لهم من التأويل. و لعلّ مراد الآية قلب السيّئات حسنات في الحياة الدنيا.
و في كيفيّة التبديل المذكور في الآية أقوال: فقيل: «إنّ اللّه يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة، و يثبت مكانها لواحق طاعاتهم، فيبدّل الكفر إيمانا، و القتل بغير حقّ جهادا و قتلا بالحقّ؛ و الزنا عفّة و إحصانا».
[١] . التوبة( ٩): ١١٨.
[٢] . الفرقان( ٢٥): ٧٠.
[٣] . البرهان، ج ٣، ص ١٧٤.