حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٦٨ - تقعيب و تفصيل
الموجب لمنع تصرّفه فيهما، و عدم فراغ الذمّة إلّا به، و إن كان المالك جاهلا إمّا بأصل المال أو بخصوصيّته، فإن كان الأخذ ظلما و غصبا، وجب إرضاء المالك بإعطاء أيّ المالين يريده؛ دفعا لتبعة الظلم المسؤول عنه يوم القيامة، و أمّا إذا لم يرض المالك أصلا إلا بردّ كلا المالين أو المثلين، أو كان الأخذ بغير الظلم و العدوان، فلا مانع من الرجوع إلى القرعة، فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «ليس من قوم تقارعوا ثمّ فوّضوا امرهم إلى اللّه إلا خرج سهم المحقّ»[١].
و قال الصادق عليه السّلام في صحيح منصور: «فأيّ قضيّة أعدل من القرعة إذا فوّضوا أمرهم إلى اللّه عزّ و جلّ، أليس اللّه يقول: فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ»[٢].
و إمّا إذا جهل لتردّده بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين فإمّا أن يكون في الذمّة، أو في العين، و على الثاني فإمّا أن يكون المال بيده، أولا.
أمّا الأوّل و الثّاني: فيجب فيهما ردّ الأقلّ، و لا يجب أداء الأكثر؛ للأصل؛ و لأنّ اليد أمارة الملكيّة، فيقتصر في الخروج عنها على المعلوم.
فإن قلت: أصالة البراءة عن وجوب دفع الزائد إنّما يتمّ إذا لم يكن أخذ المال من الأوّل قهرا و ظلما و إلا فلا يسقط أثر الظلم و استحقاق العقاب بمجرّد الجهل بالمقدار، فإذا احتمل الآخذ أنّ حقّ الغير و ماله هو الأكثر، يحكم العقل بوجوب دفعه؛ تحصيلا للبراءة اليقينيّة للذمّة المشغولة به، و كذا إذا علم بالمقدار في حين ثمّ جهله و إن كان الأخذ بغير ظلم لتنجّز التكليف سابقا، فلا بدّ من الرجوع إلى الاشتغال و الاحتياط بدفع الأكثر.
قلت: أمّا الفرض الأخير، فالتحقيق أنّ الذي يجب فعلا على المكلّف ليس الّا الأقلّ، فإنّ وجوب الأكثر منفيّ بالأصل المعتبر شرعا. و أمّا الفرض الأوّل، فالإنصاف أنّه لا رافع لأثر الظلم السابق؛ فأنّ أصالة البراءة إنّما تنفي وجوب الأكثر فعلا، و لا تقدر على نفي الأثر المذكور، و التوبة إنّما تسقط العقاب الناشئ عن مخالفة أمر اللّه سبحانه،
[١] . كما في صحيحة أبي بصير عن الباقر عليه السّلام المصدر، ج ١٨، ص ١٨٨.
[٢] . المصدر، ص ١٩١.