حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢٦ - ٩٨ حفظ النفس المسلمة
موتها أيضا إذا لم يجز لها الفرار منه بإسقاط حملها، و هذا أمر وجداني.
و يمكن أن يؤيّده أيضا بأنّ قتل الحمل في مفروض البحث لا يعدّ ظلما و زورا عند العقلاء، بل يرونها محقّة فيه، و أنّ لها الحقّ، فيشمله قوله تعالى: وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ[١] إلّا أن يدّعى أنّ المعهود من مثل هذا الحقّ في الشريعة هو القصاص و الحدّ لا غير لكنّه غير مدلّل، فتأمّل.
و هنا اعتراض آخر يخطر بالبال و هو أنّ بناء الفقهاء ليس على إجراء قاعدتي «الحرج» و «العسر» لرفع حرمة الزنا و اللواط و السحق فضلا لرفع حرمة قتل النفس، كما ذكرنا ذلك في الفائدة الثالثة من خاتمة الجزء الأوّل من هذا الكتاب.
و جوابه أوّلا: أنّ الحرج في المقام هو احتمال تلف النفس دون سائر أقسام المشقّة.
و ثانيّا: أنّ قتل الحمل ليس كقتل سائر النفوس الحيّة، و لذا لم يفت أحد- فيما أعلم- بوجوب القصاص في حقّ من قتله متعمّدا، و إنّما اكتفوا بالدية الكاملة.
و يمكن أن نستدلّ عليه أيضا بأنّ المورد يدخل في باب التزاحم بين الحكمين و هما وجوب حفظ نفسها و وجوب حفظ حملها، أو حرمة إلقاء نفسها في التهلكة، و حرمة قتل حملها، و حيث لا ترجيح لإحدى النفسين على الأخرى تتخيّر الأمّ بينهما، فلها قتل حملها، و لها اختيار موتها و حفظ حملها، بل الصحيح تعيين الأوّل عليها، و عدم جواز الثاني لها؛ لأنّها- لكونها مسلمة مؤمنة- أهمّ من نفس ولدها، و كون ولد المؤمن بحكم المؤمن- لو سلّم- لا ينافي ما ذكرنا؛ فإنّ المؤمن الواقعي أهمّ من المؤمن الحكمي، على أنّه في مثل الحمل غير مسلّم؛ لعدم دليل قويّ عليه. و وجوب الدية الكاملة على قتله معارض بعدم تشريع قصاص قاتله.
نعم، لا يجوز إتلافه في غير فرض الكلام بدلائل مرّت في بيان المحرّمات، لكن يشكل بأنّ تلف نفسها غير معلوم حتّى يجب عليها قتل حملها، فلعلّ اللّه تعالى قدّر موت حملها؟ فكيف يجوز لها قتله؟ فتأمّل فيه؛ فإنّا قد أجبنا عنه في الدليل الأوّل، و العمدة هو الدليل الأوّل.
[١] . الإسراء( ١٧): ٣٣.