حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٨٦٥ - المسألة الرابعة في المحارب و الساعي للفساد
أقول: الموضوع للأحكام الأربعة المذكورة في الآية هو المحارب للّه، و رسوله، و الساعي للفساد في الأرض، فأوّل شيء يلفت النظر هو عنوان «المحارب» و «الساعي للفساد» هل هما عنوانان لمصداق واحد أو للمصداقين و المعنونين؟ و على الثاني، هل هما معا موضوعان للأحكام المذكورة أم كلّ منهما موضوع مستقلّ؟ لم أجد في النصوص ما يدلّ على انفراد المفسد أو الساعي للفساد أن يكون موضوعا للحكم[١]، كما يوجد فيها ما يدلّ على انفراد المحارب أن يكون موضوعا له. و المتأمّل في مجموع القرائن و الشواهد ربّما يطمإنّ بأنّ كلّ واحد من المحارب و الساعي للفساد وحده ليس موضوعا للأحكام المذكورة، كما في قولنا: القاتل، و الزاني المكره- بالكسر- و اللائط يقتلون، أي يحكم على كلّ منهم بانفراده بالقتل، بل هما معا موضوعان لها.
و يمكن أن يقال بأنّ العنوانين متّحدان مصداقا و إن كانا مغائرين مفهوما؛ إذ لا يبعد أن يقال: إنّ كلّ من صدق عليه المحارب للّه و للرسول، صدق عليه أنّه مفسد في الأرض و كذا العكس، و كذا في طرف السلب، فكلّ من لم يصدق عليه المحارب لهما، لم يصدق عليه المفسد، و بالعكس، فمحاربة اللّه و رسوله هو الفساد في الأرض، و السعي في الفساد هو محاربة اللّه و رسوله على أعداء الدين الصادّين عن سبيله و إسقاط النظام الإسلامي أظهر، و يظهر ذلك من قصّة أبي عامر الراهب و هدم مسجد ضرار وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ[٢].
نعم، لمّا كان الدين لسعادة البشر، فالسعي لإسقاط نظامه سعي للفساد في الأرض، و لكنّ مفهوم المحارب لا ينحصر فيه فقط كما في رواية ضريس الكناسي: «من حمل
[١] . فإن قلت: قوله تعالى قبل هذه الآية: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً يدلّ دلالة واضحة على أنّ الفساد في الأرض بانفراده موضوع لجواز القتل.
قلت: نعم، لكنّه مختصّ ببني إسرائيل، و أين دليل تعميمه للمسلمين؟ و إن استدلّ على تعميمه ببعض الروايات فيمكن تقييده بالمحارب، للحصر المستفاد من قوله: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ ... فتأمّل، و أيضا التعميم غير مدلّل إذ أنّ الروايات الواردة حول الآية المشار إليها تدلّ أو تشعر بأنّها محكمة في الإسلام، و تدلّ عليه أيضا رواية النعماني. راجع: البرهان، ج ١، ص ٤٦٣ و ٤٦٤؛ وسائل الشيعة، ج ١٩، ص ٧ و ٨.
[٢] . التوبة( ٩): ١٠٧.