حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٣٦ - ٣٧ التوبة
مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.[١]
و قال تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.[٢]
و اعلم، أنّ ما يتعلّق بالآيات من البحث أمور:
١. تدلّ الآية الأولى على وجوب قبول التوبة على اللّه تعالى ممّن عصى جهلا إذا رجع بعد التفاته من قريب، و لم يدم على المعصية، و تفسير الجهالة بالسفاهة خلاف الظهور، و إن دلّ عليه بعض الروايات الضعيفة، الّلهمّ أن يقال بانصراف الجهالة في أمثال المقام إلى السفاهة و لو لغلبة المعصية عن علم، و هذا غير بعيد.
٢. إهمال توبة من يعصي عالما أو جاهلا، لكن لا يرجع عن ذنبه بعد الالتفات من قريب، بل تدوم عليه مدّة ما، و أنّه هل يقبل توبته أم لا؟ نعم، المطلقات الدالّة على قبول التوبة في الكتاب و السنّة تشمل الفرض، فعدم بيان حكمه في هذه الآية لا يضرّ بعد شمول غيرها له؛ بل صريح بعض الروايات الآتية قبول مثل هذه التوبة، و لعلّ جهة إهماله في هذه الآية نظارتها إلى التوبة الواجبة على اللّه، فإنّ اللّه و ان يقبل توبة من لا يرجع عن السوء من قريب، لكنّه لم يجعل قبوله على نفسه مؤكّدا واجبا، فافهم.
هذا إذا لم نقل بأنّ المراد من القريب هو ما قبل ظهور آية الموت، و إلّا فهو داخل في مفروض الآية.
٣. عدم قبول توبة من يموت كافرا.
٤. عدم قبول توبة من يتوب عند حضور الموت.
قال الشيخ البهائي قدّس سرّه في أربعينه:
أمّا التوبة عند حضور الموت و تيقّن الفوت و هو المعبّر عنه بالمعائنة، فقد انعقد الإجماع على عدم صحّتها، و نطق بذلك القرآن العزيز ...
[١] . الأنعام( ٦): ٥٤.
[٢] . النحل( ١٦): ١١٩.