حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٦٠٠ - الاستغفار
و ما يشمل الناس، و الأوّل خارج عن محلّ ابتلائنا و إن كان الأشبه حمل الأمر فيها على الاستحباب. و أمّا الثانى، فكقوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ[١].
و قوله تعالى: وَ أَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا[٢] إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ ...[٣].
و قوله تعالى: وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[٤].
و قوله تعالى: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَ اسْتَغْفِرُوهُ وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ[٥].
أقول: إن كان المراد بالاستغفار هو التوبة؛ فإنّها سبب للمغفرة، فحكمه حكمها، و قد مرّ بحثها و إن لم يكن كذلك، كما هو المقطوع في محلّه من الآيات، ففيه احتمالان:
الاحتمال الأوّل: حمل أوامره على الاستحباب في غير مورد التوبة.
الاحتمال الثاني: القول بوجوبه، و مقتضى إطلاق الآيات كفاية الاستغفار مرّة واحدة فى الحجّ، و مرّة واحدة في تمام العمر. و لا أتذكّر من قال بوجوبه، فلا يبعد ترجيح الاحتمال الأوّل في غير ما ثبت وجوبه بخصوصه، هذا بلحاظ الأدلّة اللفظيّة فقط. و أمّا بحسب مجموع النقل و العقل، فلا مانع من القول بوجوب الاستغفار بعد كلّ معصية؛ فإنّه رافع للضرر نقلا، و كلّ رافع للضرر الخطير واجب عقلا، أي ببناء العقلاء.
أمّا الصغرى، فلأنّ الاستغفار يغطّي الذنوب و إلا لم يؤمر به في القرآن و السنّة؛ فإنّه بمعنى طلب المغفرة، و لو لا حصولها عقيبه، للغى الأمر به. قال اللّه تعالى: وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً[٦].
[١] . البقرة( ٢): ١٩٩.
[٢] . و قد صدرت هذه الجملة من جملة من الأنبياء عليهم السّلام إلى أممهم. و قيل: إنّ المراد بالتوبة الإيمان، كما في قوله تعالى:
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ( غافر( ٤٠): ٧).
فالمعنى: اطلبوا المغفرة من المعصية الماضية ثمّ آمنوا بربّكم.
و قيل: اطلبوا المغفرة و اجعلوها غرضكم ثمّ توصّلوا إليه بالتوبة. و قيل: استغفروا من ذنوبكم الماضية ثم توبوا إليه كلّما أذنبتم في المستقبل. و قيل: إنّ كلمة« ثمّ» بمعنى الواو؛ لأنّ التوبة و الاستغفار واحد، و اللّه العالم بمراده.
[٣] . هود( ١١): ٤.
[٤] . المزّمّل( ٧٣): ٢٠.
[٥] . فصّلت( ٤١): ٦.
[٦] . النساء( ٤): ١١٠.