حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٦٠١ - الاستغفار
و يدلّ عليه أيضا جملة من الروايات التي نذكرها فيما بعد.
و أمّا الكبرى، فلا شكّ لأحد في حكم العقل بوجوب رفع استحقاق العذاب الأخروي و دفعه، و لكن لازم ذلك الوجوب التخييريّ بينه و بين التوبة؛ فإنّها أيضا تمحو الذنوب، بل بينهما و بين كلّ ما يمحو الذنوب، و لعلّه لا قائل به بين المسلمين أو الإماميّة؛ فإنّ ظاهرهم وجوب التوبة تعيينا.
و الأظهر عدم وجوب الاستغفار بهذا الدليل؛ فإنّ التوبة واجبة تعيينا، كما مرّ تفصيلها في حرف «ت» و وجوبها شرعيّ، و معها يسقط أثر الذنوب، و يزول استحقاق العقاب، فلا مجال لوجوب سائر مسقطات الذنوب. و لا بعد في ذلك؛ فإنّ حقيقة تأثير المسقطات في إزالة الذنوب و محو أثرها، كاستحقاق العقاب و غيره، غير معلومة لنا، فلعلّ التوبة أقوى تأثيرا من غيرها، فلذا أوجبها الشارع دون غيرها.
فإن قلت: فإذا كانت التوبة ماحية للذنوب بحيث لا يبقى ذنب على التائب منه، فلا يبقى مجال لسائر المسقطات، فما معنى ما ورد أنّها تسقط الذنوب؟
قلت: يكفي في ذلك تأثيرها في فرض عدم التوبة، فمن لا يتوب عن ذنبه يمكنه إسقاط ذنوبه الماضية بغير التوبة من المسقطات، و هذا من رحمة الربّ الرحيم الكريم؛ إذ التوبة بمعنى الندم القلبي، و ربّما لم يصل العبد إلى هذه الدرجة؛ لشوقه الحيوانى إلى ذنب، أو قلّة خوفه و حيائه من اللّه تعالى. و أمّا الاستغفار، فليس له مؤونة روحانيّة في طلب إزالة المعصية و هو يتأتّى من جميع فسّاق المسلمين، و لعلّه المراد بالآيات الآمرة بالاستغفار ثمّ بالتوبة تدريجا من الأدنى إلى الأعلى، و هذا المعنى أحسن ممّا نقلناه في السابقة، فلاحظ، و لا مانع من وجوب الاستغفار على العاصي عند عدم حصول الندم له من المعاصي؛ فإنّه رافع للضرر، و كلّ رافع للضرر المهمّ واجب عند العقلاء؛ لقبح بقاء استحقاق العقاب على الذمّة.
و حيث انجرّ بنا الكلام إلى هنا، فينبغي أن نتعرّض للمسقطات المذكورة حسب تتبّعي الناقص؛ فإنّ معرفتها نافعة جدّا.