حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٧٨٧ - ٤٣٤ المهاجرة
في محلّ و إن لم يضلّ المكلّف فعلا؛ فإنّ اللّه أمر بوقاية النفس و الأهلين.
نعم، لا تجب المهاجرة عند التمكّن من العمل بدينه، و لا إطلاق للآيتين الأخيرتين من هذه الجهة؛ فإنّهما ناظرتان إلى من أمن بمكّة في صدر الإسلام، و من الظاهر عدم تمكّنهم منه، على أنّه يمكن القول بوجوب المهاجرة عليهم على الإطلاق، لمصلحة في خصوص الواقعة المذكورة، فلاحظ.
و كذا لا تجب المهاجرة على المؤمن من بلد المخالفين إذا تمكّن من العمل بمذهبه و لو تقيّة؛ للسيرة القطعيّة. و أمّا إذا لم يتمكّن أصلا، كأداء الخمس و لو بالإرسال، ففي جواز الإقامة إشكال، بل لا يبعد وجوب المهاجرة، بل هو الأقوى إذا خاف على أولاده الانحراف و العدول عن مذهب الحقّ بعد صغرهم أو بعد موته على ما مرّ.
قال المحقّق في جهاد شرائعه: «و تجب المهاجرة عن بلد الشرك على من يضعف عن إظهار شعار الإسلام مع المكنة».
و قال الشارح في جواهره:
من الأذان و الصلاة و الصوم و غيرها، سمّي ذلك شعارا؛ لأنّه علامة عليه، أو من الشعار الذي هو الثوب الملاصق للبدن فاستعير للأحكام اللاحقة للدين بلا خلاف أجده فيه بين من تعرّض له .... نعم، إنّما تجب (مع المكنة) لا مع عدمها بلا خلاف أجده أيضا ....
- و قال في آخر كلامه:- ثمّ إنّ الظاهر كون المراد بالتمكّن من إظهار شعار الإسلام الذي يسقط معه وجوب الهجرة هو عدم المعارضة و الأذيّة من العمل على ما يقتضيه دينه في واجب أو ندب، فلو تمكّن من بعض دون بعض وجب خصوصا إذا كان المتروك مثل الصوم و الصلاة و الحجّ و نحوها ممّا هو أعظم الشعائر، بل الظاهر إرادة التجاهر بما يقتضيه الإسلام، فلا يكفي في عدم وجوبها الإتيان بها مختفيا، كما أنّه لا يكفي الإتيان بها على مقتضى مذهبهم تقيّة؛ فإنّ التقيّة الدينيّة غير مشروعة في مذهبنا من غير أهل الخلاف من المسلمين[١]، انتهى.
أقول: لا يبعد حصر وجوب المهاجرة بصورة عدم التمكّن من امتثال الأحكام
[١] . راجع: جواهر الكلام،( كتاب الجهاد، الطبعة القديمة)، ص ٥٥٥.