حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٥ - النظرة الأخيرة حول البلوغ
فيها مجالا، فإنّ المستفاد من الأمر بالارجاء عدم حجّيّة كلتا الروايتين في مدلوليهما، و لا يستفاد من قول عليه السّلام: «فهو في سعة ...» جواز الأخذ باحداهما بحسب الظاهر؛ فإنّه من المحتمل قويّا أن يكون مدلوله نفي الضيق الناشئ من قبل المتعارضتين المذكورتين، فالسعة المذكورة نتيجة الإرجاء المأمور به، و على هذا، فهي لا تنافي التضييق الآتي من قبل سائر القواعد و الأصول المحتّمة للفعل أو الترك.
و يحتمل أن يكون المراد بالسعة- حسب إطلاقها- التخيير بين الأخد بأحد المتعارضين، و بطرح كليهما، و هذا الاحتمال لا دافع له حتى بملاحظة ما فصلّه السيّد الشهيد الصدر رحمه اللّه[١]، و في بعض ما أفاده نظر، و في جملة من الأخبار غير المعتبرة ما يؤيّد حمل السعة على الأخذ بأحد المتعارضين.
و في صحيح منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما بالي اسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب، ثمّ يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر؟ فقال: «إنا نجيب الناس على الزيادة و النقصان».[٢]
قلت: فأخبرني عن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله صدقوا على محمّد أم كذبوا؟
قال: «بل صدقوا»،[٣] قال: قلت: فما بالهم اختلفوا؟ فقال: «أما تعلم أنّ الرجل كان يأتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب ثمّ يجيبه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديث بعضها بعضا».[٤]
يقول سيّدنا البروجردي بعد نقلها[٥]: «فيستفاد من هذا و أمثاله أنّه يجب الأخذ بالأخير عند التعارض لو لا مرجّح آخر للأوّل».
أقول: الاستفادة المذكورة من هذه الرواية غير تامّة مطلقا. لاختصاصها بالأحاديث
[١] . راجع: بحوث فى علم الأصول، ج ٧، ص ٣٣٨.
[٢] . الظاهر أنّ المراد بالزيادة و النقصان هو المطلق و المقيّد، و العامّ و الخاصّ و الإجمال و التفصيل، كما يتّفق ذلك لكلّ مفت، فإذا سئل عن وجوب نفقة الزوجة مثلا ربّما يجيب أنّها واجبة، و ربّما يجيب أنّها واجبة إذا كانت دائمة أو لم تكن ناشزة، و هكذا ... و كذا ما يراه المفتي مناسبا بحسب خصوصيات الموارد. و يدلّ عليه بعض الروايات أيضا.
[٣] . ليس المراد الإيجاب الكلّي حتّى ينافي كذب بعضهم عليه صلّى اللّه عليه و اله في بعض الأمور.
[٤] . الكافي، ج ١، ص ٦٥.
[٥] . جامع أحاديث الشيعة، ج ١، ص ٦٧.