حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٠٧ - ٨٥ حجة الإسلام
و لا شكّ أنّ حجّ المستطيع خير من محلوفه و منذوره و لو كان صلاة مائة ركعة في جامع الكوفة، أو زيارة الإمام الحسين في يوم عرفة، كما يستفاد من الكتاب و السنّة.
و هذه الصحيحة تقرّر أصلا كلّيّا في باب اليمين. و أمّا النذر، ففي موثّقة زرارة، قال:
قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أيّ شيء لا نذر في معصية؟ قال: فقال «كلّ ما كان لك فيه منفعة في دين أو دنيا، فلا حنث عليك فيه».[١]
و لا شكّ أنّ في الحجّ منفعة، بل منافع لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ و ظاهر الرواية عدم انعقاد النذر في الفرض. و أمّا عدم انعقاده في المنفعة الدنيويّة، فإطلاقه مأوّل. و يأتي تحقيقه في محلّه. و الإنصاف أنّ المتأمّل في روايات النذر و اليمين لا يجرأ على فتوى ترك الحجّ؛ لأجل تعلّقهما بما ينافيه.
ثانيها: إذا استلزم الذهاب إلى الحجّ تلف مال معتدّ به له في بلده لم يجب، كما صرّح به صاحب العروة قدّس سرّه، و لعلّه لأجل قاعدة الضرر، لكنّها مخصّصة بأدّلة وجوب الحجّ قطعا؛ فإنّ الحجّ ضرريّ دائما، فلا ينبغي الشكّ في وجوب الحجّ إذا لم يكن ذهاب المال المذكور مجحفا جدّا[٢] يقع المكلّف بدونه في حرج. و على فتوى المحقّق اليزدي قدّس سرّه لا يجب الحجّ على أحد في مثل زماننا الذي تأخذ السلطات الجائرة من قاصدي الحجّ مقدار مال معتدّ به و هو قطعيّ البطلان. و لعلّه أراد ما إذا كان صرف المال موجبا للحرج، كما قلنا. و كذا الكلام فيما إذا استلزم تلف مال في الأثناء، أو في مكّة، أو عند العودة.
ثالثها: قد مرّ اعتبار أمن الطريق و تخلية السرب في الاستطاعة الموجبة للحجّ، و لا فرق بين ما كان الصادّ هو الحكومة، أو اللصّ أو غيره؛ للإطلاق.
نعم، لو كان هناك طرق أحدها مأمون وجب الذهاب منه، و هذا ظاهر.
يقول: صاحب العروة:
[١] . المصدر، ص ٢٣٩.
[٢] . راجع: المصدر، ج ٨، ص ٢٠٠ و فيه« من مات و لم يحجّ حجّة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تحجف به أو مرض لا يطيق فيه الحجّ، أو سلطان يمنعه، فليمت يهوديّا أو نصرانيّا». هذا الصحيحة رواها ذريح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام. أقول: في المنجد:« أجحف الدهر بالناس: استأصلهم و أهلكهم. أجحف فلان بعبده: كلّفه ما لا يطاق».