حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٤٩ - الصفح عن أهل الكتاب
و خالفهم ابن أبي عقيل، فذهب إلى أنّ الواجب هو الصدقة عنه عن كلّ يوم بمدّ من الطعام[١]، و قال: «و بهذا تواترت الأخبار عنهم عليهم السّلام، و القول الأوّل مطرح؛ لأنّه شاذّ».
و استدلّ له العلّامة بالروايتين: أولاهما: صحيحة ابن بزيع عن الجواد عليه السّلام قال: قلت له: رجل مات و عليه صوم، يصام عنه أو يتصدّق؟ قال: «يتصدّق عنه فإنّه أفضل».[٢]
لكنّه مطلق و قابل للتقيّد بغيره، فيكون فضل التصدّق في غير فرض التمكّن من القضاء، فيحمل على الندب، و لا تصل التوبة إلى حملها على التقيّة، كما صنع في الحدائق حيث نقل عن العلّامة أنّ التصدّق قول جمهور الجمهور.
ثانيتهما: صحيحة أبي مريم: «... و إن صحّ ثمّ مرض ثمّ مات، و كان له مال تصدّق عنه مكان كلّ يوم بمدّ، و إن لم يكن له مال صام (تصدّق) عنه وليّه».[٣]
أقول: و مع الغضّ عن الشهرة مقتضى الجمع بينهما هو تخيير الوليّ بين الصوم و التصدّق لكنّ الأحوط لزوما اختيار الصوم دون التصدّق لشذوذ القول به و إن لا يستفاد من رواية أبي مريم الصوم لأنّ في نسخة منها ذكر التصدّق، و ذلك لصحيح محمد بن مسلم و غيره[٤].
الصفح عن أهل الكتاب
قال اللّه تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ....[٥] إن كان المراد بأمر اللّه المأتيّ به هو تشريع الجهاد، فالأمر بالصفح قد زال؛ لأنّه كان موقّتا.
و إن كان غيره، فالأمر أخلاقيّ غير مناف لوجوب الدفاع، بل الدفع عن الحقّ و عن حفظ المسلمين عن الضلالة و الارتداد.
و مثل هذه الآية قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ
[١] . راجع: الحدائق الناضرة، ج ١٣، ص ٣١٩.
[٢] . الفقيه، ج ٣، ص ٢٣٦.
[٣] . وسائل الشيعة، ج ٧، ص ٢٢٢ و ٢٤١.
[٤] . راجع: جامع أحاديث الشيعة، ج ١١، ص ٥٧٤.
[٥] . البقرة( ٢): ١٠٩.