حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٧٧١ - بقي في المقام أمور مهمة
إعطاء الخبز، فإذا كان المنفق عليه قادرا عرفا على فعل المقدّمات المذكورة، لم تجب إعدادها على المنفق؛ لصدق المأمور به بمجرّد تقديم الموادّ. نعم، إذا عجز عنه لمرض، أو مهانة، أو ضيق وقت، أو عذر آخر وجب على المنفق.
و العجب أنّ المسألة مع كثرة الابتلاء بها و أهمّيّتها لم يرد فيها ما يفصّل النفقة بجزئيّاتها من الروايات، و من حقّها ورود الروايات الكثيرة المتعرّضة لجهات المسألة- و اللّه العالم بأسرار تشريعه- كمّا و كيفا و هو من المشكلات!
الأمر الثامن: هل المدار في كمّيّة النفقة و كيفيّتها حال المنفق في العسر و اليسر، أو حال غالب أهل البلد، أو حال أمثال من ينفق عليه؟
يقول صاحب كنز العرفان: قال المعاصر في هذه الآية:
على أنّ المعتبر في النفقة حال الزوج لا الزوجة، و لذلك أكّد بقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها؛ إذ لو كان المعتبر حال الزوجة، لأدّى ذلك في بعض الأوقات إلى تكليف ما لا يطاق بأن يكون ذات شرف و الزوج معسر.
و عندي فيه نظر أمّا أوّلا: فلفتوى الأصحاب أنّه يجب القيام بما تحتاج إليه المرأة من طعام، و إدام، و كسوة و إسكان تبعا لعادة أمثالها.
و [أمّا] ثانيا: فلأنّ قوله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ قابل للتقييد، أي في حال التي قدّر فيها الرزق، و حينئذ جاز أن يكون الواجب عليه ما هو عادة أمثالها، فيؤدّي ما قدر عليه الآن، و يبقى الباقي دينا عليه، فلذلك تبع الكلام بقوله: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً[١].
أقول: ظاهره الإجماع على الوجه الأخير في خصوص الزوجة، لكنّ المستفاد من قوله تعالى: وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها خلافه، و إثبات الوجه الأوّل. و ما ذكره الفاضل المتقدّم من التقييد محتاج إلى مقيّد مفقود[٢]، و لعلّ السيرة الجارية بين المسلمين من عدم أخذ زوجة المعسر تركته أو
[١] . يريد بها قوله تعالى: وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لكنّ دلالتها على المقام غير ثابتة؛ لاحتمال اختصاصها بأجرة الرضاع، فلاحظها.
[٢] . و لا منافاة بين كون لزوم الإنفاق على الزوجة من الوضع دون التكليف، و اعتبار حال الزوج في كمّيّة النفقة و كيفيّتها؛ فإنّ الوضع كالتكليف أمر اعتباري يتبع اعتبار المعتبر سعة وضيقا. نعم، لازم هذا القول سقوط حقّ الزوجة-- رأسا عند إعسار الزوج، و هو مشكل جدّا؛ فإنّه ليس كحقّ الوالدين و الولد ليسقط به، فلا يبعد في هذا الفرض صحّة كلام صاحب كنز العرفان في التقييد، فافهم و تأمّل؛ فإنّ نفي تكليف النفس بما فوق وسعها مخصوص بحال العجز لا مطلقا، كما في مطلق الديون.