حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٦٥ - ٦٦ الجنوح للسلم
٦٦. الجنوح للسلم
قال اللّه تعالى وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ ... وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[١].
يظهر من الآية عدم وجوب محاربة الكفّار إذا مالوا إلى السلم و الصلح، بل يجب[٢] علينا الميل إلى السلم حينئذ، و بهذه الآية يقيّد جميع ما دلّ على وجوب الجهاد و المقاتلة، و قتل الكفّار من المطلقات، فيجب الجهاد و المقاتلة إذا لم يمل الكفّار إلى المسالمة و المتاركة، و عدم التعرّض و وقف إطلاق النار، و إلّا فلا يجوز، بل يجب الجنوح إلى السلم، و هذا المعنى- و إن لم يكن مشكلا من جهة الجمع بين المطلق و المقيّد إلّا أنّه من جهة ما هو المعلوم من مذاق الشرع خارجا في غاية الإشكال.
و أمّا ما في بعض الروايات من تفسير السلم بشيء آخر، فمع فرض صحّة سنده[٣] ناظر إلى بيان بعض المصاديق، و لا ينافي ما نحن بصدده من ظهور الآية في مدلولها.
و نقل عن جمع، كابن عبّاس، و مجاهد، و زيد بن أسلم، و عطاء، و عكرمة، و الحسن، و قتادة نسخ هذه الآية بآية السيف[٤].
و يقول بعض المفسّرين الأعلام من المعاصرين رحمه اللّه: «و الآية لا تخلو عن ايماء إلى كون الحكم مؤجّلا حيث قال: وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[٥]».
و نقل الرازي في تفسيره عن بعضهم: «إنّ الآية تضمّنت الأمر بالصلح إذا كان الصلاح فيه».
أقول: أمّا القول الثاني، ففيه «إنّا لم نفهم الإيماء المذكور»، و على تقديره، فالعبرة
[١] . الأنفال( ٨): ٦٠ و ٦١.
[٢] . يمكن أن يحمل الأمر على الاباحة دون الوجوب بدعوى وقوعه عقيب الحظر و لزوم الجهاد، لكنّه مشكل.
[٣] . البرهان، ج ٢، ص ٩١.
[٤] . لاحظ: المنار، و التفسير الكبير للفخر الرازي، و تفسير ابن كثير و غيرها.
[٥] . الميزان، ج ٩، ص ١٣١.