حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٦٦ - ٦٦ الجنوح للسلم
بالظهور دون الإيماء و الإشعار، و لا شكّ في عدم ظهور للآية في كون الحكم المذكور مؤجّلا.
و أمّا الثالث، فهو خلاف ظاهر الآية الدالّة على وجوب الجنوح للسلم على المسلمين بمجرّد جنوح الكفّار لها.
أمّا الأوّل، فأورد عليه بأنّ آية السيف خاصّة بالمشركين دون غيرهم، و من هنا صالح النبيّ صلّى اللّه عليه و اله نصارى نجران في السنة العاشرة من الهجرة مع أنّ سورة براءة نزلت في السنة و عليه، فتكون آية السيف مخصّصة، لعموم الحكم في الآية الكريمة و ليست ناسخة لها.
و جوابه عدم انحصار الناسخ في آية السيف حتّى يقال باختصاصها بالمشركين فقط، بل قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ...[١] و غيره من المطلقات أيضا يصلح ناسخا له، لكنّ دعوى النسخ غير واضحة.
و قد يقال في الجواب: إنّ إطلاق الآية الشريفة و إن شمل صورتي: تمكّن المسلمين من الحرب، و عجزهم عنها إلّا أنّه لا بدّ من تنزيله على الثانية، و الرجوع في الأولى إلى المطلقات الدالّة على مقاتلة الكفّار و جهادهم و قتلهم، و الوجه في التقييد قوله تعالى: فَلا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ[٢]، فإنّ قوله: تَدْعُوا عطف على قوله تعالى: تَهِنُوا و حرف «و» في قوله تعالى: وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ حالية، و المراد بالعلوّ- ظاهرا- الغلبة، أي فلا تدعوا إلى السّلم في حال قوّتكم و غلبتكم على الكفّار، فافهم[٣].
[١] . استدلال بهذه الآية بلحاظ آخرها مشكل.
[٢] . محمد( ٤٧): ٣٥.
[٣] . وجهه أنّ كون حرف« و» للحال دون الاستئناف غير ظاهر، بل قوله: وَ اللَّهُ مَعَكُمْ يلائم الاستيناف كما لا يخفى على المتدبّر، فالمقام مشكل لا بدّ من علاجه بوجه مقنع، و هنا شيء آخر و هو أنّ المنهيّ في الآية هو الدعوة إلى السلم و هذا ظاهر في الدعوة الأبتدائيّة دون إجابة دعوة الكفّار، و هذا ممّا لم يلتفت إليه أحد فيما أعلم و قد ذكرناه في كتابنا: جهاد الإسلامي.
أقول: و هنا جواب آخر يخطر بالبال و هو أنّ هذه الآية يرتبط بما قبلها من الآيات، فتكون هناك شرطيات ثلاث تبيّن حال الكفّار المعاهدين في النقص و الوفاء.
الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ...( الأنفال( ٨): ٥٦، فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ-- فَشَرِّدْ بِهِمْ ... الأنفال( ٨): ٥٧ و وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً ... الأنفال( ٨): ٥٨.
وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها الأنفال( ٨): ٦١.
فإذا أصحّ هذا الارتباط بين الآيات فقد حلّت المعضلة؛ إذ لا إطلاق للآية المباركة حينئذ في وجوب الجنوح عند كلّ جنوح من الكفّار للسلم، كما كان في فرض عدم ارتباطها بما قبلها. و ملخّص المراد- على هذا- أنّ الكفّار المعاهدين الذين وقعت معهم المعاهدة حسب مصلحة الإسلام و المسلمين إن نقضوا عهدهم فشرّدوا بهم من خلفهم إذا قدرتم عليهم، و إن خفتم من قوم منهم خيانة فانبذ إليهم على سواء و إن جنحو للسلم و الوفاء بالعهد فاجنح لها.
و أمّا أنّ هذه المعاهدة و السلم حتى متى تجب؟ و متى تحرم؟ و متى تباح؟ و كيف تقع؟ و ما هي شروطها؟ فالآيات غير ناظرة إليها أصلا. و في بالي جواب ثان عن العويصة و هو أنّ المراد من السلم ليس مطلق الرغبة في الصلح و عدم المحاربة فقط، بل لا بدّ فيها من إعطاء الجزية عن يد إذا كان المايل لها الكافر الكتابي؛ إذ مع عدم إعطائها يصبح غير مسالم يدخل في قوله قاتِلُوا الَّذِينَ ... وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ ... حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ...، فإذا صحّ هذا في الكتابيّ لا بدّ من اشتراط عدم المنع عن تبليغ الإسلام و عدم تحقق الفتنة في سلم غير الكتابيّ من الكفّار الحربييّن جمعا بين الآيات.
فمعنى الآية الأمر بقبول المسالمة مع الكفّار الّذين يدّعون السلم، أي لا يريدون الحرب و لا يمنعون المسلمين عن العمل بدينهم، و لا يصدّون عن سبيل اللّه عن إرشاد الضالّين.
و لا بأس في لزوم قبول المصالحة معهم في هذا الفرض كما لا يخفى على من دقّق نظره في مجموع الآيات الكريمة، فتدبّر.