حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٠٥ - ٨٥ حجة الإسلام
و ثانيا: لو سلّم اشتراط الحجّ بالقدرة شرعا مطلقا، و من كلّ جهة فايضا يقدّم وجوب الحجّ على وجوب الوفاء بالنذر و اليمين؛ للعلم بعدم رضى الشارع بسقوط الحجّ بالمرّة، و ذلك لأنّه حينئذ يجوز لكلّ مسلم أن ينذر و يحلف قبل الاستطاعة صلاة ركعتين في مسجد بلده في كلّ عرفة.
و ثالثا: أنّ وجوب النذر و اليمين مشروط بالقدرة شرعا على وجه خاصّ، أي لا يكونان محلّلين لحرام، أي لا يكونان مستلزمين لفعل محرّم و لترك واجب لولاهما (أي النذر و اليمين) لكانا فعلييّن، فوجوب الحجّ بعد تحقّق الاستطاعة كاشف عن عدم انعقادهما.
و بعبارة أخرى: الاستطاعة العقليّة للحجّ موجودة وجدانا، و الذي يفرض مانعا فإنّما هو وجوب الوفاء بالنذر و اليمين، و هو لا يمكن أن يكون مانعا؛ فإنّ مانعيّته موقوفة على عدم وجوب الحجّ؛ لما عرفت من اشتراطها بعدم كونها محلّلين للحرام، فلو استند عدم وجوب الحجّ إلى هذا المانع، لزم الدور. و ليس ما ذكرناه مختصّا بباب الحجّ، بل يجري في كلّ مورد زاحم النذر واجبا غيره، فليقدّم ذلك الواجب عليه و لو كان مشروطا بالقدرة شرعا.
أقول: يرد على الوجه الأوّل: أنّ ما أفاده و إن كان تامّا بالنسبة إلى جملة من الروايات المفسّرة للاستطاعة بالأمور المذكورة كما مرّ، لكنّه لا يتمّ بالنسبة إلى صحيح الحلبي عن الصادق عليه السّلام، قال: «إذا قدر الرجل على ما يحجّ به ثمّ دفع ذلك، و ليس له شغل يعذّره اللّه به، فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام و إن كان مؤسرا و حال بينه و بين الحجّ مرض أو حصر أو أمر يعذّره اللّه فيه؛ فإنّ عليه أن يحجّ عنه من ماله صرورة لا مال له».[١]
فإنّ المستفاد منه أنّ مطلق العذر يمنع عن وجوب الحجّ، و لا شكّ أنّ وجوب الوفاء بالنذر عذر عند اللّه تعالى. و على الجملة، كلا الواجبين مشروطان بالقدرة الشرعيّة، فلا بدّ من تقديم أحدهما على الآخر من مرجّح.
و يرد على الوجه الثاني: أنّ المحذور هو ترك الحجّ بالمرّة، و عندئذ لا مانع للحاكم
[١] . المصدر، ج ٨، ص ١٧ و ٤٤.