حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٨٥ - بحث و تفصيل
إذا كان دفنها قريب عهد بالإخراج، على أنّه يبعد كلّ البعد أن يحضر رجل مسافر دارا نزل فيها بمكّة بمقدار يصدق على ما يجد فيها عنوان الكنز، مع أنّ الرواية وردت في قضيّة خاصّة لا إطلاق لها بوجه، بل قول الراوي: «و لم يذكرها حتّى قدم الكوفة» يشعر أو يدلّ على إمكان إيصال المال إلى صاحبه؛ إذ لو كان الراوي يعتقد الكنز كان عالما بفقدان مالكه، فلا معنى للاعتذار بالنسيان، و عدم الذكر و من القرائن على عدم كون المال من الكنز هو أنّ الدراهم حدثت في زمان الأئمّة و لم تكن رائجة قبل الإسلام حتّى يصدق عليها كنز- فافهم- فالعمدة الصحيحة الأولى؛ فإنّها بإطلاقها تشمل الكنز، و ظاهرها أنّ الكنز في الدار محكوم بالملكّية لأهل الدار، سواء كان مالكا لها أو مستاجرا أو ساكنا مجّانا، و لا وجه لانصراف قوله: «فيها أهلها» إلى المالك كما لا يخفى، بل قضيّة الإطلاق لزوم دفع الكنز إليه مع العلم بعدم كونه له فهو هبة إلهيّة له، و لذا لم يفرض الإمام صورة إنكار الأهل له أو علم الواجد بعدم كونه لأهل الدار، فهو من توابع الدار و حقّ من سكنها.
نعم، إذا علم بوجود مالكه يجب دفعه إليه لانصراف الرواية عن هذا الفرض جزما، و أمّا إذا كانت خربة لا أهل لها، فهو لواجده و إن أيقن أنّه كان لمسلم و احتمل بقاء بعض ذرّيّته إلى هذا الوقت. فالنتيجة أنّ هذا الفرض (فرض كون الكنز في الدار) يخالف الفروض السابقة في الحكم، و أنّه لأهل الدار دون الواجد.
و هذا هو مختاري و إليه أذهب، غير أنّني أوصي أهل الدار إذا كان مستاجرا أو مستعيرا أن يصالح مع مالك الدار من باب الاحتياط الواجب، و اللّه العالم.
و يمكن أن نقول: بملاحظة صحيحتي: محمّد بن مسلم و معتبرة إسحاق بن عمّار و موثّقة محمد بن قيس مع ملاحظة الاعتبار العقلائي أنّه إذا وجد المال في الدار و فيها أهلها فعلى الواجد أن يعرّفه إلى أهل الدار، فإن عرفوه فهو لهم، و إن لم يعرفوه أو علم أنّ المال ليس لهم يتصدّق به؟ و يحتمل أنّه هبة من اللّه لأهل الدار فهو لهم مطلقا، و إن وجده في خربة لها أهل فهو لهم لكن يستحبّ له أن يعرّفه، فإن وجد من يعرفه و إلّا تمتّع به و به يجمع بين تلكم الروايات.