حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٠٠ - ١٤٨ إرضاع الأولاد على الأم
«و إن وجد الأب من يرضعه بأربعة دراهم و قالت الأمّ: لا أرضعه إلّا بخمسة دراهم، فإنّ له أن ينزعه منها إلّا أنّ ذلك خير له و أرفق به أن يترك مع أمّه»[١] فإنّه يدلّ أو يشعر بأنّ للأمّ مطالبة زيادة الأجرة و إن انجرّت إلى نزع ولدها منها.
لكن رفع اليد عن ظهور الآية الكريمة المتقدّمة بهذا المقدار لا يخلو عن شيء، فتامّل، و يمكن أن يستدلّ على الوجوب أيضا بقوله تعالى: فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فإنّ مفهوم الشرط فيه عدم جواز الفطام عند اختلاف الوالدين و عدم تراض منهما. قال صاحب مجمع البيان: «فإن تنازعا رجعا إلى الحولين».
و قد يقال: إنّ الفصال في صورة عدم التراضي و التشاور مكروه لا أنّه محرّم و إلّا لم يعلّق على التراضي و التشاور، هذا إذا كان المراد من الفصال هو فصل الأمّ ولده عن رضاعها، كما هو غير بعيد بملاحظة السياق. و أمّا إذا أخذناه بإطلاقه، فيصير أجنبيّا عن محلّ البحث و هو تكليف الأمّ في إرضاعها، و داخلا في البحث الآتي.
ثمّ إنّه لو سلّم دلالة الآية الأولى على وجوب الإرضاع، نخصّصه بصورة عدم تراضي الوالدين، و نقول بعدم وجوبه في صورة التراضي حتّى الشهر الأوّل من الولادة على وجه، أو بعد أحد و عشرين شهرا على وجه آخر غير قويّ؛ لأجل الآية الأخيرة.
و ممّا يدلّ على عدم وجوب الإرضاع عليها إطلاق قوله تعالى: وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ... ضرورة عدم ملائمة وجوب الإرضاع على الأمّ مع جواز اتّخاذ مرضعة أخرى للأب[٢].
و يمكن أن يقال بوجوب إرضاع الأولاد عليها إذا أراد الزوج إتمام الرضاعة، و إذا اتّفق معها في الفطام- بعد أحد و عشرين شهرا أو مطلقا- أو اتّخذ مرضعة أخرى، فله ذلك، و هذا ممّا يمكن استنباطه من مجموع الآيات، فتأمّل المقام.
ثمّ الرضاع بمعنى امتصاص الثدي لشرب اللبن، كما يظهر من بعض كتب اللغة،
[١] . وسائل الشيعة، ج ١٥، ص ١٩٠ و ١٩١. و لا يحضرني عاجلا ما يدلّ على شمول الحكم للزوجة الوالدة غير إطلاق هذه الرواية مع احتمال نظارتها إلى المطلّقة كغيرها.
[٢] . في الاية احتمالات لا بدّ من مراجعة التفاسير ثمّ اختيار ما هو الظاهر منها.