حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٠٨ - ٨٥ حجة الإسلام
و لو كان جميع الطرق مخوفا إلّا أنّه يمكنه الوصول إلى الحجّ بالدوران في البلاد، مثل ما إذا كان من أهل العراق و لا يمكنه إلّا أن يمشي إلى كرمان، و منه إلى خراسان، و منه إلى بخارا، و منه إلى الهند، و منه إلى بوشهر، و منه إلى جدّة مثلا، و منه إلى المدينة، و منها إلى مكّة، فهل يجب أو لا؟ وجهان أقواهما عدم الوجوب؛ لأنّه يصدق عليه أنّه لا يكون مخلّى السرب.
أقول: الصدق ممنوع، و الأقوى الوجوب؛ فإنّه يستطيع أن يحجّ من طريق مأمون.
رابعها: إذا حصلت الاستطاعة في بعض شهور السنة حتّى في شهر المحرّم هل يجب حفظها ليحجّ في القابل أم لا يجب؟ أم فيه تفصيل؟ و يجري هذا البحث إذا حصلت الاستطاعة و لم يتمكّن من الحجّ لعذر آخر، كفقدان جواز السفر (پاسپورت) و نحوه، فهل يجب إبقاؤها إلى القابل أم لا؟
أقول: الاستطاعة عبارة عن زاد، و الراحلة، و الصحّة، و تخلية الطريق، و ما يحجّ به، كما مرّ؛ فإذا حصلت فقد وجب الحجّ، فهي بوجودها علّة للوجوب، و بوجوبها معلولة له، و لا منافاة بينهما.
أمّا الأوّل، فلإطلاق قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
و أمّا الثاني، فلما تقرّر في الأصول من وجوب المقدمّة شرعا أو عقلا.
لا يقال: لا يمكن وجوب الحجّ بحصول الاستطاعة الحاصلة في غير أشهر الحجّ؛ فإنّ الحجّ موقّت بوقت خاصّ لا غير، قال اللّه تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ، و قال تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ ...؛[١] فإنّه يقال: الموقّت هو الواجب دون الوجوب، و لا مانع بناء على صحّة الواجب المعلّق من أن يكون الوجوب فعليّا و الواجب استقباليّا، و لا تنافيه الآيتان المتقدّمتان: أمّا الأولى، فظاهر؛ فإنّ المستفاد منها توقيت الحجّ دون الوجوب. و أمّا الثانية، فتقدير صدرها: زمان الحجّ أشهر معلومات، و هذا لا ينافي إطلاق الحكم
[١] . البقرة( ٢): ١٨٩ و ١٩٧.