حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٨٧٢ - المسألة الرابعة في المحارب و الساعي للفساد
و ثانيا: أنّه ما الفرق بين هذا الشقّ و الشقّ الثاني في ردّ المال حيث نبّه عليه في هذا الشقّ و أهمله في الشقّ الثاني مع الالتفات إليه في الرواية؟ و لا شكّ أنّه واجب في الشقّين، و لا مبرّر للتفصيل بينهما و القرآن و إن سكت عنه، لكنّه سكت مطلقا، و لم يكن في مقام بيان هذه الجهة.
و ثالثا: أنّه أهمل الصلب في الثالث، و نبّه عليه في الثاني مع أنّه أشدّ منه.
ثمّ إنّ الرواية أهملت حكم تشهير السلاح فقط، و حكم أخذ المال فقط، و حكم القتل فقط، و مع هذه الإشكالات و الشبهات يشكل جريان أصالة الظهور في متن هذه الرواية.
ثمّ قد تحصّل من مجموع ما مرّ أنّ الجمع بين روايات الباب في ترتيب الأحكام المذكورة مشكل، و أشكل منه ما قيل من تخيير الحاكم في اختيار أحدها، فله اختيار الصلب، و القتل في الإفساد الخفيف، و اختيار النفي في الإفساد الكبير، و هذا شيء لا يقبله الذوق[١]، فالصحيح أن ينفي الأمرين معا، أمّا الأوّل: أي الترتيب المذكور في الروايات إن أمكن رفع التناقض منه بعد الجمع بينها، فلما عرفت من ضعف الروايات التسع.
و أمّا الثاني: فلما قلناه، فإذن يتعيّن الشقّ الثالث و هو تفويض الاختيار إلى الحاكم لا اختيار شهوة، بل على نحو الجناية، ففي الحقيقة أنّه ليس هناك تخيير شرعي، بل أحكام متعدّدة لموضوعات متعدّدة، و إنّما فوّض الشارع تشخيص تلك الموضوعات إلى الحاكم الشرعي، و ذاك تفويض حسن مفيد لاختلاف أنواع الفساد باختلاف
[١] . قال الشهيد الثاني- بعد اختياره التخيير تبعا لصاحب اللمعة:« للآية الدالّة ب« أو» على التخيير و إن احتمل غيره؛ لما روي صحيحا:« أنّ« أوفي» القرآن للتخيير حيث وقع».
أقول: لعلّ نظره إلى صحيح عليّ بن الحكم عن[ أبي خ] حمزة، عن أبيه:« أنّ عليّا قال: فوّض اللّه إلى الناس في كفّارة اليمين، كما فوّض إلى الإمام في المحارب أن يصنع ما يشاء و قال: كلّ شيء في القرآن أو فصاحبه فيه بالخيار.
راجع: وسائل الشيعة، ج ١٥، ص ٥٦٢. و نقله المجلسي عن كتابي ابن سعيد، عن حمّاد عن حريز، عن الصادق عليه السّلام:
« كلّ شيء في القرآن أو فصاحبه بالخيار يختار ما يشاء»، راجع: بحار الأنوار، ج ٢، ص ٢٧٢. و أسنادهما لا تخلو عن إشكال، لكن صحيح بريد يدلّ على أنّ تخيير الحاكم ليس تخيير الشهوة، بل على نحو الجناية، و العجب أنّ الشهيد الثاني مع كمال دقّته في متون الروايات و أسانيدها، ذكر صحيحة بريد دليلا على التخيير المطلق و هو أعلم بما قال.