حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢٨ - ٣٧ التوبة
الداعي الوحيد لهم في الرجوع إلى اللّه تعالى هو خوف النار و طمع الجنة؟ كلّا.
الجهة الرابعة: استشكل بعضهم في تشريع التوبة و فتح بابها بأنّ: «فيه إغراء بالتمرّد، و المخالفة: فإنّ الإنسان إذا علم بقبول توبته بعد ارتكاب المعصية لا يعتني بمانع العصيان، بل تزيد جرأته على مخالفة التكاليف الإلهيّة.
و قد أجيب أيضا بأنّ:
التوبة لا تتحقّق في فرض قصد المكلّف المعصية بأن يعصي ثمّ يتوب، فإنّ التوبة انقلاع عن المعصية، و لا انقلاع في هذا الذي يأتي به؛ فإنّه كان عازما على ذلك قبل المعصية و مع المعصية و بعد المعصية، و لا معنى للندامة ...- أعني التوبة- قبل تحقّق الفعل، بل مجموع الفعل و التوبة في أمثال هذه المعاصي مأخوذ فعلا، واحدا مقصود بقصد واحد، مكر أو خديعة يخدع بها ربّ العالمين، و لا يحيق المكر السيّئ إلّا بأهله، انتهى.
و هذا الجواب ضعيف؛ فإنّ لازمه قبول توبة من يعصي و يتجرّي بلا خوف من اللّه حين العصيان دون توبة من يعصي و يخاف و يبني على الرجوع إلى اللّه بعد خمود شهوته، و ذهاب شدّة حاجته، و هو كما ترى.
و ربّما يطعن بعض الملحدين به على الدين، و إن الدّين بمسقطاته للذنوب كالتوبة و العفو و الشفاعة و نحوها[١] يتسبّب إلى ميل الأفراد إلى الجرائم الأخلاقيّة و الاجتماعيّة، فهو مضرّ للأمن الاجتماعي و الرقي الأخلاقي.
و الجواب المشترك عن كلتا الشبهتين هو: إنّا نرجع إلى وجداننا و نشاهد حال العصاة، فنرى هذا الادّعاء خلاف الواقع؛ فإنّ الداعي للعصيان في معظم الموارد، بل في جميعها إلّا ما شذّ، هو ميل الإنسان و شهوته و غضبه الغالبتين على خوفه من اللّه أو اعتقاده الباطل من دون التفاته إلى مسقطات الذنوب.
و الذي يؤكّده و يشهد له أنّ العلماء المحيطين بتفاصيل التوبة و الاستغفار، و غيرهما، و سعة رحمة اللّه هم أبعد من الذنوب و الآثام؛ فإنّها كلّها لا ينافي خوفهم
[١] . ذكرنا المسقطات في عنوان« الاستغفار» إلى عشرة، فلاحظها، و غير خفيّ أنّ الإشكال و الجواب يجري في جميعها بتفاوت يسير.