حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢٧ - ٣٧ التوبة
إذا عرفت هذا، فنقول: إنّها تجب عن كلّ ذنب؛ لأنّها تجب من المعصية؛ لكونها معصية و من الإخلال بواجب؛ لكونه كذلك، هذا عامّ في كلّ ذنب و إخلال بالواجب إنتهى كلامه[١].
و التحقيق أوّلا: أنّ التوبة غير واجبة عن الصغائر على من اجتنب عن الكبائر؛ بناء على الوجوب الفطري و هو وجوب دفع الضرر؛ لعدم ضرر عليها حتى يجب دفعها.
نعم، تجب من جهة وجوب شكر المنعم؛ لعموم الملاك إن قلنا بوجوبه[٢]، كما أنّها تجب على من لم يجتنب عن الكبائر حتى و إن تاب منها (أي من الكبائر) بعد إتيانها لوجوب دفع الضرر.
ثانيا: أنّ من تاب من معصية لا تجب التوبة عنها ثانيا و ثالثا؛ لصدق الامتثال بالمرّة، كما حقّق في أصول الفقه، و ما يظهر من كلام العلّامة قدّس سرّه من تكرار وجوبها ضعيف.
ثالثا: لا يرجع ما أفاده المحقّق الطوسي و بيّنه العلامّة الحلّي قدّس سرّهما في الدليل الثاني من وجوب الندم إلى معنى محصل[٣]؛ فإنّه عين الدليل الأوّل إلّا أن يجعل المناط في الثاني شكر المنعم؛ أو مطلق حكم العقل بلزومه، و كلاهما ممنوع.
رابعا: أنّ ما ذكره من وجوب التوبة من المعصية لكونها معصية صحيح، فإنّ من ترك الذنب حفظا لسلامة بدنه، أو لعرضه، أو من جهة عجزه و نحو ذلك لا يكون تائبا، فلا بدّ في التوبة من الرجوع إلى اللّه تعالى، كما يظهر من القرآن الكريم. نعم، لا شك في أنّ الرجوع بداعي النجاة من النار توبة إلى اللّه.
و ما ذكره العلّامة الحلّي تبعا للمحقّق الطوسي قدّس سرّهما من بطلانها بدعوى أنّها ليست من التوبة عن القبيح؛ لقبحه، فجرى مجرى طالب سلامة البدن لم يكن يتوقّع صدوره من مثلهما قدّس سرّهم، أفيفتي العلّامة ببطلان توبة أكثر المؤمنين الذين يتوبون عن المعاصي حينما يتخوّفون بالنّار، و يصبحون صلحاء، و لا يعلمون القبح، كما يعلمه المتكلّمون، بل
[١] . شرح التجريد، ص ٢٦٣ و ٢٦٤.
[٢] . الصحيح عدم وجوب شكر المنعم عقلا في خصوص الواجب الوجود جلّ جلاله، و بحثه طويل.
[٣] . راجع: الأربعين،( للبهائي)، ص ٢٣٤.