حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٦٤٤ - ٣١٤ قتال الفئة الباغية
و بالجملة مقتضى الأدلّة اللفظيّة و اللبّية حرمة قتل المسلمين و جرحهم و إيذائهم و أخذ أموالهم و غير ذلك، و المفروض عدم كفرهم و بقاؤهم على إسلامهم، و الثابت بالآية الكريمة هو مجرّد قتالهم إذا لم يقبلوا الإصلاح، و قصدوا البغي على الطائفة الأخرى، لكن لا إلى إفنائهم، بل إلى رجوعهم إلى الحقّ، فالجائز هو القتال المغيّى بغاية الرجوع فقط، فيبقى الباقي على الأصل الأوّل حتّى بالنسبة إلى ما أخذ عنهم في حين القتال من الأسلحة، فضلا عمّا اشتمل عليهم من الثياب و الملابس، فلا غرو في جواز قتل أحد و حرمة التصرّف في ماله، لأنّ الأوّل مقدّمة لإحقاق الحقّ دون الثاني.
و يمكن أن ندعمه أوّلا: بسكوت الآية عنها؛ إذ لو كانت الأمور المذكورة جائزة لكانت المناسب التنبيه عليها.
و ثانيا: بقوله تعالى: وَ أَقْسِطُوا؛ فإنّ من الإقساط عدم التصرّف في مال المسلمين و عدم مزاحمتهم في سلطنتهم على أموالهم و على أنفسهم، و عدم ظلمهم بعد رجوعهم إلى الحقّ و أداء حقّ الفئة المظلومة.
البحث السادس: إذا فرض حصول الرجوع إلى أمر اللّه تعالى و المنع عن البغي بغير القتل، كالأسر، و الحبس، و منع الماء عنهم، و الحصر في مكان خاصّ، فهل يجوز قتال الباغية معه أم لا؟ ربّما يفهم الأوّل من إطلاق الآية حيث فرّع فيها الأمر بالقتال على البغي، لكنّ الالتزام به مشكل، بل ممنوع، و ذلك لما هو المعلوم من مذاق الشرع في أمر الدماء، بل الأقوى الاقتصار على الأسهل فالأسهل، و عدم جواز البدار إلى الأصعب و إن لم يكن قتلا، و بالجملة إطلاق الآية محمول على صورة عدم إمكان إعادة الحقّ إلّا بالقتال أو نفسّر القتال بالمحاربة، و نقيّدها بغير صورة القتل.
البحث السابع: جواز القتال أو غيره من المراتب الدانية، هل يتوقّف على قصد الطائفة الباغية قتل الطائفة الأخرى، كما يظهر من قوله تعالى: اقْتَتَلُوا أم لا، بل يكفيه قصدهم مطلق الظلم، و طلب ما لا يحقّ لهم و إن لم يكن خطيرا، كما يقتضيه قوله تعالى: فَإِنْ بَغَتْ؟ لكنّ الاعتماد على إطلاقه مشكل؛ لاحتفافه بما يصلح أن يكون قرينة له و هو قوله تعالى: اقْتَتَلُوا بناء على أنّ الاقتتال و المقاتلة هما محاولة