حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٦١٥ - ٢٨٦ الفتوى
النسبة و عدمه، و تحقيق الحقّ في الاستصحاب و البراءة و الاحتياط و أمثال هذه المباحث، فلا يمكن لعالم بيان الأحكام إلّا عن اجتهاد أو تقليد سمّي بالأصوليّ أو بالأخباريّ.
نعم، لا يجوز الإفتاء من غير حجّة شرعيّة، ففي صحيح ابن حجّاج: «إيّاك أن تفتي الناس برأيك، أو تدين بما لا تعلم»[١].
و في صحيح هشام، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ما حقّ اللّه على خلقه؟ قال: «أن يقولوا ما يعلمون، و يكفّوا عمّا لا يعلمون ...»[٢].
و في رواية أبي بصير التي في سندها مثنّى و هو مجهول على الأظهر. قلت لأبي عبد اللّه: ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب اللّه، و لا سنّته، فننظر فيها؟ فقال:
«لا، أمّا إنّك إن أصبت لم تؤجر، و إن أخطأت كذبت على اللّه»[٣]، فلا بدّ أن يكون إعمال النظر و الاجتهاد عن حجّة شرعيّة أو عقليّة قطعيّة، و إلّا لكانت الفتوى باطلة غير نافذة، بل كانت كذبا، و إفتراء، و مضلّة، و مخالفة لأحكام اللّه تعالى، و لا شكّ في حرمتها، بل ذهب بعضهم إلى تحريم الفتوى على من ليس جامعا للشرائط التي ذكروها في باب التقليد. و قيل: صرّح جماعة من الأعيان- مرسلين له إرسال المسلّمات، بل ظاهر المسالك و غيره- بأنّه إجماعيّ[٤].
أقول مقتضاه حرمة الفتوى على المجتهد إذا كان غير عادل أو غير رجل مثلا و إن صدرت عن حجّة شرعيّة.
لكنّ الفتوى المذكور ليس بحرام، بل غير حجّة، و إنّما يحرم إذا ترتّب عليه عنوان محرّم آخر، بل لا يبعد عدم حرمة الفتوى عن الرأي بعنوانها، و إنّما المحرّم الكذب، و التشريع، و الإضلال، و الافتراء و نحو ذلك، و التفصيل ليس هنا محلّه.[٥]
ثمّ إذا ثبت مشروعيّة الفتوى و جوازها، يقع الكلام في أنّه هل قد يجب أو لا؟
[١] . المصدر، ص ١٠.
[٢] . المصدر، ص ١٢.
[٣] . المصدر، ص ٢٤.
[٤] . مستمسك العروة الوثقى، ج ١، ص ٦٩.
[٥] . ذكرنا في الباب روايات غير معتبرة سندا؛ اقناعا للإخباريّين.