حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٦١٧ - ٢٨٦ الفتوى
التقليد لغير المجتهد، فإذا يجب الفتوى على المجتهدين؛ للعلم القطعيّ بأنّ الشارع لا يرضى بسكوت المجتهدين، و اندراس أحكام الدين، و ضلالة المسلمين، فوجوب الفتوى إن لم يدلّ عليه دليل لفظيّ هو مفهوم من مذاق الشرع فهما قطعيّا، بل يمكن أن يستدلّ عليه بقوله تعالى: وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ[١] فإنّ إطلاق الخير يشمل بيان الأحكام الفقهيّة، و فروع الأصول الاعتقاديّة أيضا.
بل يمكن الاستدلال بذيله: وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ على وجه، أو بطريق أولى على وجه.
و بقوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ[٢]، فإنّ بيان الأحكام الشرعيّة من الموعظة الحسنة لغة.
إذا تقرّر ذلك يلزم البحث عن جهات أخرى للموضوع:
الجهة الأولى: إذا لم يوجد في زمان غير مفت واحد، وجب الفتوى عليه عينا، و كذا إذا وجد و لكن لا يصل فتواه إلى الناس، فيجب الفتوى على من يتيسّر فتواه للناس عينا، و هذا واضح.
الجهة الثانية: هل يتعيّن الفتوى على من يعتقد أعلميّته من غيره بناء على اشتراط الأعلميّة في حجّيّة الفتوى أم لا؟ فيه وجهان: من عدم حجّيّة فتوى غيره على الفرض، فوجود غيره كعدمه، و من جواز رجوع الناس إلى سائر المجتهدين في فرض عدم فتواه؛ لاختصاص الاشتراط بفرض إحراز الاختلاف في الفتوى.
الجهة الثالثة: إذا أمكن استعلام فتوى مجتهد بالتليفون أو البرقيّة و الفاكس و الأنترنت و السفر الخالي عن العسر و الضرر، لا يتعيّن الفتوى على آخر.
و أمّا إذا لم يتيسّر إلّا بالسفر البعيد، و تحمّل المشقّة، و الضرر غير اليسير، فيمكن أن يكون الفتوى على المجتهد القريب واجبا عينيّا.
الجهة الرابعة: هل الواجب هو جعل نفسه في معرض الاستفادة أو إيصال الفتوى
[١] . آل عمران( ٣): ١٠٤.
[٢] . النحل( ١٦): ١٢٥.