حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٦١٦ - ٢٨٦ الفتوى
يمكن أن نستدلّ على وجوبها الكفائي بقوله تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[١].
المستفاد من الآية وجوب النفر، لأجل التفقّه و الإنذار، فيكونان واجبين حسب المتفاهم العرفي، و الإنذار هو الفتوى. و لا يفرق في هذا الاختلاف في مرجع الضمائر في الآية إلّا على الوجه المرجوح[٢].
و يقول الشيخ الأنصاريّ قدّس سرّه في رسائله:
لأنّ الإنذار هو الإبلاغ مع التخويف، فإنشاء التخويف مأخوذ فيه، و الحذر هو الخوف الحاصل عقيب هذا التخويف ... و من المعلوم أنّ التخويف لا يجب إلّا على الوعّاظ في مقام الإيعاد على الأمور التي يعلم المخاطبون بحكمها من الوجوب و الحرمة ... أو على المرشدين في مقام إرشاد الجهّال، فالتخوف لا يجب إلّا على المتّعظ أو المسترشد ...
توضيح ذلك أنّ المنذر إمّا أن ينذر أو يخوّف على وجه الإفتاء، و نقل ما هو مدلول الخبر باجتهاده. و إمّا أن ينذر أو يخوّف بلفظ الخبر؛ حاكيا له عن الحجّة. فالأوّل كأن يقول: يا أيّها الناس! اتّقوا اللّه في شرب العصير؛ فإنّ شربه يوجب المؤاخذة ... و أمّا الإنذار على الوجه الأوّل، فلا يجب الحذر عقبيه إلّا على المقلّدين لهذا المفتي ....
أقول: لا يبعد اختصاص الإنذار بصورة الإرشاد، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و عدم شموله للفتوى؛ لأنّ من طبعها عدم الإنذار فيها، كما هو المتداول إلى اليوم و ان كان يلزمه، و الأحسن أن يقال: إنّ العمل بالأحكام الشرعيّة لا يمكن إلّا بمراجعة الكتاب و السنّة، و فهم مقاصدهما، و هو لا يمكن إلّا بإعمال النظر و الاجتهاد قطعا، كما أشرنا إليها قبيل هذا، فيجب على كلّ مكلّف إعمال النظر في الأدلّة، و استنباط الأحكام الإلزاميّة و الوضعيّة منها، لكنّ هذا الوجوب العينيّ يوجب العسر و الحرج، بل اختلال النظام[٣]، فهو منفيّ جزما، فلا بدّ من القول بوجوبه كفائيّا، و جواز
[١] . التوبة( ٩): ١٢٢.
[٢] . و هو أن يكون الإنذار من المجاهدين بذكر ما شاهدوه في الغزوات من حكمة اللّه في نصرة أوليائه على أعدائه في الحرب.
[٣] . بل الاجتهاد متعذّر في حقّ أكثر الناس و لو بالعرض.