حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢٩ - ٣٧ التوبة
الشديد منه سبحانه و تعالى، فيعلم من ذلك أنّ التوبة و أخواتها غير مؤثّرة في جرأة العصاة، و طغيان المتمرّدين عملا، كما هو مشهود خارجا، فاللّه سبحانه هو العالم بحقائق النفوس الإنسانيّة، و لا يقنّن في التشريع ما ينافي مقتضى العبوديّة و الربوبيّة، و لا ما يختلّ به الأمن الاجتماعي و التكامل الأخلاقيّ، بل لا يحصلان إلّا بالتعاليم الدينيّة.
و أظنّ أن من تنبّه بما ذكرنا و التفت إلى حال العصاة في الخارج، يقتنع بما قلنا، و لا يرى البحث محتاجا إلى مباحث نظريّة بعيدة عن الواقع.
و أمّا الجواب الخاصّ عن الإشكال الأوّل: أنّ مفسدة زيادة الجرأة على تقدير تسليمها مزاحمة بمفسدة يأس العبد من رحمة اللّه التي وسعت كلّ شيء، و قطع رجائه منه سبحانه، كما يفهم من حرمة اليأس من رحمة اللّه، بل هي من الكبائر، بل يفهم من صحيح عبد العظيم المتقدّم، أنّه أكبر الكبائر بعد الشرك باللّه، فيقدّم الأهمّ على المهمّ، و هذا واضح و حكمته أنّ الآئس من رحمة اللّه يغرق في بحر الجناية.
و الجواب الخاصّ عن الإيراد الثاني: أنّ التوبة و سائر المسقطات إنّما تؤثّر في رفع العقاب الأخروي و التبعات الروحيّة دون التبعات الاجتماعيّة؛ فإنّها غالبا بحالها تاب أم لم يتب، فإذا أكل أحد مال غيره أو ضربه، فلا يسقط وجوب أداء المال و لزوم تمكّنه من القصاص و الانتقام بالتوبة، فأين المضادّة مع الأمن الاجتماعي؟ و أيضا قد علم من الشريعة أنّ من يذنب ثمّ يتوب ليس كمن لا يذنب أصلا، فاين المضرّة للرقي الأخلاقي؟
الجهة الخامسة: أنّ المعصية الماضية إمّا لا تابع لها مطلقا، كالكذب، و شرب الخمر، و وطء الزوجة الحائض، و عدم ردّ سلام المؤمن و نحو ذلك، و إمّا لها تابع، و هذا التابع إمّا راجع إلى حقّ اللّه تعالى فقط، كقضاء الصلاة و الصيام، و أداء الزكاة، و إتيان الحجّ، و إمّا راجع إلى الناس، كردّ مال الغير إليه، أو إلى وارثه، أو إلى الحاكم الشرعي، إمّا عينا، و إمّا مثلا، أو قيمة، و تمكين الغير من استيفاء حقّه منه، كما في القتل، و القذف، و الضرب، و غيرها، و إرشاد من أضّله و نحو ذلك.