حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٤٩ - ١٣٣ دفن الميت المسلم
المسألة الأولى: قال صاحب المدارك قدّس سرّه في محكيّ كلامه:
قد قطع الأصحاب و غيرهم بأنّ الواجب وضعه في حفيرة تستر عن الإنس ريحه، و عن السباع بدنه بحيث يعسر نبشها غالبا، انتهى.
و استدلّ عليه- مضافا إلى الاتّفاق المذكور- بأنّ المنصرف من الدفن هو ذلك لا مطلق مواراته، بل الواجب مواراته المطلقة.
و تنظّر فيه صاحب الجواهر قدّس سرّه؛ إذ لم يثبت للدفن حقيقة شرعيّة و لا مجاز شرعيّ، و تأمّل في دعوى ثبوت الإجماع لخلوّ كثير من كلمات الأصحاب لذلك، و قال:
لم أعثر على من ادّعاه قبل سيّد المدارك، لكن لا يظهر منه الاكتفاء بمطلق المواراة غير المانعة عن الشمّ ريحه، و عن السباع بدنه، كما نسبه إليه غير واحد؛ إذ قال في آخر كلامه: فلذا كان الاجتزاء بمسمّى الدفن مع الأمن من ذينك الأمرين من غير الحفيرة لا يخلو من قوّة، انتهى.
و هذا ممّا لا بأس بالالتزام به؛ فإنّه إذا فرض مكان لم يكن فيه للإنس و السباع ممرّ لا بأس بمطلق المواراة.
نعم، إن أراد كفاية المواراة التي يظهر ريح الميّت معها فهو ضعيف. ففي حسنة الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السّلام: «إنّما أمر بدفن الميّت لئلّا يظهر الناس على فساد جسده، و قبح منظره، و تغيّر رائحته، و لا يتأذّى الأحياء بريحه، و ما يدخل من الآفة و الفساد ...».[١]
المسألة الثانية: لا بعد في كفاية مواراته في جدار عريض يقبل الحفر و إن لم يصدق عليه الأرض، و ما قيل من أنّ المواراة في الأرض قد أخذت في مفهوم الدفن عرفا غير معلوم.
نعم، لا يكفي وضعه في بناء أو تابوت و نحو ذلك؛ لعدم الصدق. و إذا تعذّر جاز، بل وجب لما مرّ من أنّ حرمة المؤمن ميّتا كحرمة المؤمن حيّا، و لا يحتمل جواز إلقائه على الأرض إذا لم يمكن الدفن.
[١] . المصدر، ج ١، ص ٨١٩. و في الدلالة نظر؛ لاحتمال اعتبار الثلاثة معا، لا كلّ واحد.