حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٦١٨ - ٢٨٦ الفتوى
إلى الناس بالتأليف، و طبع الكتب، و الإذاعة و نحو ذلك أم فيه تفصيل بين من يتمكّن من الرجوع إلى المفتي، و بين من لا يتمكّن؟ لا يبعد اختيار هذا التفصيل فهما من مذاق الشرع، و لذا يشكل الأمر بالنسبة إلى بعض البلاد النائية حيث لم يترجم الكتب الفتوائيّة بلغتهم لحدّ الآن، و ليس بينهم أهل العلم بمقدار الكفاية.
فإن قلت: السيرة المعمولة من الأوّل لحدّ الآن جارية على عدم إرسال المبلّغين، و الكتب إلى النواحي البعيدة، فكأنّ المستفاد من عمل النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و الأئمّة عليهم السّلام هو تبليغ الدين، و بيان الأحكام من غير تحمّل السفر، و المشقّة، و تأليف الكتب. و يؤيّده الروايات الكثيرة الواردة حول قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
الدالّة على وجوب السؤال على الناس، و عدم وجوب الجواب على الأئمّة عليهم السّلام.
قلت: يشكل الجزم بالحكم من السيرة؛ لاحتمال كونها بسبب العجز، و عدم المكنة- فتأمّل- و أمّا الروايات الدالّة على عدم وجوب الجواب على الأئمّة، فيشكل الالتزام بمفادها على الإطلاق، بل لا يصحّ؛ لأنّ بيان الأحكام واجب على الأئمّة جزما، فلا بدّ من توجيه هذه الروايات.
الجهة الخامسة: هل يجوز للمفتي الاعتماد على فهمه وحده أم يجب عليه تشكيل لجنة علميّة للتشاور و التفاهم حول الأدلة، و كيفيّة استنباط الحكم الشرعي، أم فيه تفصيل بين حصول العلم الإجمالي بالاشتباه في فرض الاستنباط الفردي بمقدار أكثر من فرض الاستنباط الجماعي؟ و هذا هو الأظهر. و حيث إنّ الشقّ الأوّل نادر جدّا يجب على كلّ مفت أن لا يعتمد على فهمه وحده، و لا يتبادر إلى الفتوى، بل لا بدّ من البحث و التفاهم مع غيره من أهل الاجتهاد.
نعم، هذا مخصوص بالفتوى دون تأليف الكتب الاستدلاليّة لغير العوامّ؛ فإنّه لا دليل على الوجوب، بل يمكن التدليل على خلافه.
الجهة السادسة: لا يجب على المفتى إظهار فتواه في كلّ مسألة، فله إخفاؤها في بعض الموارد، و التوقّف، و الاحتياط للأصل؛ إذا لم يستلزم إيقاع المقلّدين في خلاف الواقع.