حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٨٠٩ - ٤٤٣ الإيفاء بالعهد
إلى أوثق الناس في نفسك، فادفع إليه الصحيفة، و أوصه، و مره إن حدث بك حدث الموت أن يبيع منزلك و جميع ما تملك، فيتصدّق به عنك، ثمّ ارجع إلى منزلك، و قم في مالك على ما كنت فيه، فكل أنت و عيالك مثل ما كنت تأكل، ثمّ انظر كلّ شيء تصدّق به فيما تستقبل من صدقة، أو صلة قرابة، أو في وجوه البرّ، فاكتب ذلك كلّه و احصه، فإذا كان رأس السنة فانطلق إلى الرجل الذيّ أوصيت إليه، فمره أن يخرج إليك الصحيفة، ثمّ اكتب فيها جملة ما تصدّقت و أخرجت من صدقة، أو برّ في تلك السنة، ثمّ افعل ذلك في كلّ سنة حتى تفي للّه بجميع ما نذرت فيه، و يبقى لك منزلك و ما لك إن شاء اللّه ...»[١].
أقول: يمكن أن نلحق به ما إذا عاهد التصدّق بمعظم ماله، كالثمانين، أو التسعين من المائة بحيث لا يكفيه الباقي، و على كلّ يجري هذا في النذر و اليمين الاصطلاحييّن؛ لما مرّ من شمول العهد لهما، و لم يثبت له حقيقة شرعيّة فيما يقابلهما نعم، لا يجب جميع ما في الرواية، لأنّ بعضه لأجل التحفظ على الواجب و لا خصوصية له.
فإن قلت: ظاهر التصدّق بجميع ماله هو تصدّق أعيانها، فكيف يصحّ إرشاد الإمام عليه السّلام؟ قلت: مراد السائل هو التصدّق بأعمّ من أعيان أمواله و قيمتها؛ لقوله: «فأنا أبائع داري، و جميع ما أملك، فأتصدّق به» و حيث إنّ الوفاء بمثل هذا العهد دفعة واحدة و فورا حرجيّ، فهو غير واجب أرشده الإمام إلى الصورة الممكنة.
و إذا فرض تعلّق عهد أحد بأعيان أمواله، و كان الوفاء به حرجيّا، كما هو كذلك غالبا؛ إذ لا يوجد من يعوّضه بمال يفي بحاجاته، فالرواية غير شاملة له، و مقتضى القاعدة إذا عاهد التصدّق فورا أو في وقت معيّن على نحو وحدة المطلوب هو بطلان هذا العهد؛ لأنّه حرج و مشقّة، بل و تضييق للأهل و العيال، و لا يبعد عدّه من تتبّع خطوات الشيطان، و كذا إذا عاهد التصدّق بقيمة أمواله.
و إن كان على نحو تعدّد المطلوب أو لم يقصد الفوريّة أصلا، فيصحّ أن نستفيد من الرواية سهولة الأمر، فتوجب على المتعهّد، التصدّق التدريجي بما لم يؤدّ إلى الحرج،
[١] . وسائل الشيعة، ج ١٦، ص ٢٣٧.