حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٨٠٨ - ٤٤٣ الإيفاء بالعهد
استعمل في الطلب المولويّ، فليزمه الوجوب عقلا، غاية الأمر أنّ استحقاق العقوبة في القسم الثاني إنّما يستند إلى مخالفة أمره الأوّل لا إلى مخالفة هذا الأمر، فافهم[١].
فالأمر في هذه الآية و في قوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مولويّ يدلّ على الوجوب الشرعيّ.
ثمّ العهد أعمّ مفروضا من النذر و اليمين، فإنّه يشملها و يصدق عليهما و على غيرهما، و صورة العهد المصطلح الفقهي في غير مورد النذر و اليمين، كما عن الشهيد الأوّل أن يقال: عاهدت اللّه، أو عليّ عهد اللّه إن أفعل كذا؛ معلّقا أو مجرّدا[٢].
أقول: و الأظهر انعقاد العهد الواجب بكلّ لفظ صدق مفهوم العهد عليه و إن لم يكن بلفظ «العهد» و مشتقّاته؛ فإنّ تخصيصه بلفظ العهد خلاف الإطلاق، فإن قام إجماع قطعيّ عليه، فهو و إلّا فلا وحشة من مخالفة المشهور، بل الظاهر أنّه لا إشكال في صحّته في العهد مع الناس، بل لا أعلم بوجود مخالف فيه، فلاحظ كتاب الجهاد في الكتب الفقهيّة، و الظاهر عدم الفرق في العهد مع اللّه تعالى و الناس و إن كان بينهما فرق في أمر آخر و هو ترتّب الكفّارة على مخالفته في الأوّل، كما مرّ في باب الكفّارات و عدمه في الثاني بقي في المقام فروع:
الفرع الأوّل: في صحيح محمّد بن يحيى الخثعمي أو موثّقته: كنّا عند أبي عبد اللّه عليه السّلام جماعة؛ إذ دخل عليه رجل من موالي أبي جعفر عليه السّلام، فسلّم عليه، ثمّ جلس و بكا، ثمّ قال له:- جعلت فداك- إنّي كنت أعطيت اللّه عهدا إن عافاني اللّه من شيء أخافه على نفسي أن أتصدّق بجميع ما أملك، و أن اللّه عافاني منه، و قد حوّلت عيالي من منزلي إلى قبّة في خراب الأنصار[٣]، و قد حملت كلّ ما أملك، فأنا بائع داري و جميع ما أملك، فأتصدق به؟ فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «انطلق، و قوّم منزلك، و جميع متاعك، و ما تملك بقيمة عادلة و اعرف ذلك، ثمّ اعمد صحيفة بيضاء، فاكتب فيها جملة ما قوّمت، ثمّ انظر
[١] . للمسألة ذيل طويل محرّر في أصول الفقه و ما في المتن أحد الأقوال فيها.
[٢] . صحّة العهد المجرّد عن الشرط مستفادة عن الإطلاقات، و ادّعى الشيخ في محكيّ خلافه الإجماع عليها.
و ما يظهر من المحقّق في شرائعه اختصاصها بالعهد المشروط، لا وجه له. و سيأتي تفصيل القول فيه في بحث الوفاء بالنذر. راجع: جواهر الكلام، ج ٣٥، ص ٤٤٧.
[٣] . و لعلّه سقيفة بني ساعدة.