حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢٥ - ٩٨ حفظ النفس المسلمة
كليهما، فقد ذكر صاحب العروة الوثقى قدّس سرّه أنّه ينتظر قضاء اللّه سبحانه و تعالى حتّى يتعلّق بموت أحدهما، و تبعه عليه كلّ من علّق على كتابه من الأعلام و أرباب الفتوى، و الظاهر أنّ أوّل من عنون المسألة و أفتى بوجوب الانتظار هو صاحب الجواهر قدّس سرّه في آخر بحث دفن الميّت، و إليك عبارته:
«و أمّا لو كانا معا حيّين و خشي على كلّ منهما، فالظاهر الصبر إلى أن يقضي اللّه، و لا ترجيح شرعا، و الأمور الاعتباريّة من غير دليل شرعيّ لا يلتفت إليها».[١]
أقول: الكلام في موردين: الأوّل: في وظيفة الأمّ الحامل. و الثاني: في وظيفة غيرها من المكلّفين، كالطبيب، و زوج الحامل، و غيرهما.
أمّا الأوّل، فلا يبعد القول بجواز إهلاك الحمل للأمّ الحامل؛ لإصالة البراءة؛ لأنّ تكليفها بحرمة هلاكه عليها في هذه الحالة عسر و حرج و هما منفيّان في الشريعة.
فإن قلت: قاعدتا نفيهما وردتا مورد الامتنان، فلا يشمل المقام و نظايره ممّا يتضرّر بهما آخرون؛ إذ الامتنان للنوع ليس لشخص خاصّ.
قلت: نعم، لكن تطبيقه على المقام ممنوع؛ فإنّ قوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ و قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ متوجّهان إلي المكلّفين و لا يشملان الحمل قطعا؛ إذ لا يعقل في حقّه جعل العسر و الحرج حتّى يمنّ عليه بنفيهما، و منه يظهر جواز الهلاك حتّى إذا كان الولد رضيعا، بل غير مميّز في مفروض البحث، فإذا دار الأمر بين حفظ المكلّف نفسه أو حفظ صبيّ غير مميّز آخر جاز له إتلاف الصبيّ لنفي العسر و الحرج، سواء كان الصبيّ إبنا له أم أجنبيّا.
و أمّا الصبيّ المميّز، فحيث يمكن جعل الحكم الحرجي في حقّه عقلا، فلا مانع من شمول الآيتين المذكورتين له، إلّا أن يدّعى انصرافهما إلى المكلّفين، و فيه إشكال.
فإن قلت: ليس تلفها معلوما حتّى تكون حرمة إتلافه عليها حرجيّة؛ لاحتمال موته و بقائها.
قلت: علمها بموتها أو موت حملها مع تكليفها بالصبر يوجب الحرج قطعا. و إن شئت فقل: إنّ لزوم الحرج غير منحصر بصورة علمها بموتها، بل يترتّب على خوف
[١] . جواهر الكلام، ج ٤( آخره)، ص ٣٧٨.