حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢٣ - ٣٧ التوبة
أقول: يمكن أن يقال بوجوبها عقلا لا شرعا، أي لا تجب وجوبا مولويا شرعيا؛ فإنّ التوبة كالتقوى و الإطاعة رافعة للضرر، و رفع الضرر لازم بحكم الفطرة[١]، فكما أنّ الأوامر المتعلّقة بالطاعة و التقوى و النواهي الواردة في المعصية و الفسق و غيرهما، تحملان على الإرشاد إلى حكم العقل، فكذا يحمل أوامر التوبة عليه؛ فإنّ العقل بعد إخبار الشارع بأنّ التوبة تمحو أثر الذنب من العقاب و غيره، يستقلّ بوجوبها فورا.
و بالجملة، استفادة الوجوب التعبّديّ من القرآن و السنّة مع ملاحظة حكم العقل بوجوبها مشكلة؛ خلافا لسيّدنا الأستاذ الخوئي حيث قوّى في درسه وجوبها الشرعيّ، إعتمادا على ظهور الأمر فيه. لكنّ التّحقيق أنّ هذا الوجه الذي ذكرنا ضعيف؛ فإنّ العقل لا يدرك رافعيّة التوبة أو دافعيّتها للضرر إلّا بعد أمر الشارع بها و إيجابها من قبله. و في مثله لا معنى لرفع اليد عن ظاهر الأوامر الشرعيّة جزما و إلّا لأمكن أن ننكر وجوب الصلاة المولويّ أيضا و إن نحمله على الإرشاد؛ لأنّ العقل يحكم بلزومها بعد اطّلاعه ببيان نقليّ على أنّها تنهى عن الفحشاء و المنكر. و لم يقل أحد بوجوب الاستغفار مع كونه رافعا للضرر.
نعم هنا إشكال قوّي آخر و هو أنّه إذا قلنا بالوجوب الشرعيّ و فرضنا أنّ العاصي لم يتب من عصيانه في الآن الأوّل، يجب عليه في الآن الثاني التوبة من أصل المعصية، و من ترك التوبة منها، و هكذا، فتارك التوبة في مدّة قصيرة يستحقّ عقوبات، و هكذا يتضاعف عليه استحقاق العقوبات، و هو شاهد على نفي الوجوب الشرعيّ؛ فإنّ تعدّد العقوبات المستحقّة بحيث ربّما تبلغ إلى الملايين خلاف ما ارتكز في أذهان المتشرّعة؛ و لأنّ التوبة إنّما شرّعت رحمة للعباد و تخفيفا للعصاة، و محوا لآثار المعصية و قرب المكلّفين إلى حضرة الحقّ جلّت عظمته، لا لأجل استحقاق العاصي آلاف عقوبة لأجل معصية واحدة.
لا يقال: الرضا بالحرام حرام كما مرّ في الجزء الأوّل فمن لم يتب من عصيانه و كان
[١] . و الفرق إنّهما دافعتان للضرر و هي رافعة له، و رفع الضرر كدفعه لازم، هذا إذا قلنا إنّ استحقاق العقاب و البعد عن ساحة الحقّ بنفسه ضرر، و إمّا إن قلنا بأنّ الضرر هو نفس العقاب، فالتوبة أيضا دافعة للعقاب.