حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢٤ - ٣٧ التوبة
ملتفتا، يكون راضيا بعصيانه في كلّ آن، فيعود تعدّد العقوبات المستحقّة على القول بالوجوب العقليّ أيضا.
فإنّه يقال: إنّ ترك التوبة لحاجة، أو ضعف ارادة، أو غيره، لا يستلزم الرضا بالمعصية، فكم من عاص لائم لنفسه غير تائب.
و كان بعض مشايخنا يلتزم بتعدّد العقوبات المستحقّة على تارك التوبة، و لم يستبعده، لكنّه ممّا لا يليق بالالتفات إليه.
و يمكن أن يدفع بأنّ الواجب شرعا هو أصل التوبة عن الذنب. و أمّا فوريّتها، فلم يدلّ دليل على وجوبها الشرعيّ، و إنّما الحاكم بها العقل، فمن ترك التوبة رأسا يستحقّ عقابين: عقابا على أصل المعصية، و عقابا على ترك توبتها. و أمّا من تاب منها و لو بعد مدّة فلا يستحقّ شيئا و إنّما ترك واجبا عقليّا، فتأمّل.
الجهة الثانية: ظاهر جماعة و صريح آخرين أنّ حقيقة التوبة الندم، ففي العروة الوثقى:
و حقيقتها الندم و هو من الأمور القلبيّة، و لا يكفي مجرّد قوله: «أستغفر اللّه»، بل لا حاجة إليه مع الندم القلبي و إن كان أحوط، و يعتبر فيها العزم على ترك العود إليها، انتهى كلامه.
فإن قلت: حقيقة التوبة لغة هو الرجوع، و ليس في الشرع ما يدلّ على إرادة معنى آخر منها، و حيث إنّ الرجوع حقيقة إلى اللّه تعالى محال، فلا بدّ من أن يراد الرجوع الادّعائي، أو الرجوع الحقيقيّ إلى حكمه و دينه من أمره و نهيه، كما أنّ توبة اللّه على العبد هي رجوعه تعالى عليه بالرحمة و المغفرة، فالتوبة عبارة عن رجوع العاصي عن عصيانه إلى اللّه تعالى أو حكمه.
نعم، الندم علّة لهذا الرجوع، كما أنّ دفع الضرر في الأكثر أو الحياء من اللّه سبحانه في البعض علّة لهذا الندم، فهو ليس داخلا في حقيقة التوبة، كما قالوا، بل سبب له.
قلت: المستفاد من الأدلّة أنّ التوبة هو الرجوع عن طبيعيّ المعصية، اي جميع أفرادها الماضية و الحالية و المستقبلة، و هذا الرجوع يتحقّق في الأخيرين بالترك، و