حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٧٩٣ - ٤٣٨ مودة القربى
و قوله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ[١] و غيرها.
فيتوهّم التناقض بينها و بين هذه الآية، لكن يدفع هذا التناقض بقوله تعالى: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ[٢]، فالأجر في الآية المعنونة لا يكون أجرا حقيقيّا و راجعا إلى النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه و اله في مقابل رسالته؛ إذ إيتاؤه مستحيل للثقلين، بل هو أجر صوريّ يرجع نفعه إلى الأمّة أنفسهم، و هذا فليكن واضحا.
المطلب الثالث: فيمن يجب مودّته أو مودّتهم. فقد اختلف أقوال المفسّرين و غيرهم فيه، فقيل: إنّه النّبي الأكرم صلّى اللّه عليه و اله و الخطاب لقريش؛ و ذلك أنّهم يبغضونه، و ينكرون دينه، فأمره اللّه أن يسألهم: إنّكم إن لم تؤمنوا بنبوّتي، فلتودّوني لقرابتي منكم، و عليه يكون القربى بمعنى القرابة، و كلمة «في» بمعنى اللام أو الباء السببيّة.
و هذا القول و إن نسب إلى الجمهور، لكنّه غلط مخالف لمدلول الآية الكريمة؛ فإنّ طلب المودّة إنّما هو بعنوان أجر الرسالة، و من لم ينتفع بالرسالة، بل استحقّ الخلود بإنكارها لا يعقل استقرار الأجر عليه، فلا معنى لطلبه صلّى اللّه عليه و اله الأجر من كفّار قريش.
و ربّما وجّه بعضهم الخطاب إلى الأنصار دون كفّار قريش، و قال في وجهه: إنّ الأنصار آتوا النبيّ صلّى اللّه عليه و اله بمال يستعين على ما ينو به، فردّ المال، و نزلت الآية.
و يردّه أنّهم كانوا يحبّونه، بل و يحبّون من هاجر إليهم، و لا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أوتوا و يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة، فلا يحتاج إلى السؤال عن محبّتهم و العمدة في إبطال هذا القول أنّه لا قرابة بين النّبي الأكرم صلّى اللّه عليه و اله و الأنصار بنحو يستدعي المودّة بالضرورة.
و قيل: إنّ فاعل المودّة هو النبيّ و مفعولها قريش عكس القول الأوّل، أي لا أسألكم أجرا على هدايتكم، و إرشادكم إلى الحقّ، و كمال الإنسانيّة، و إنّما الداعي في ذلك هو حبّي و ودّي لكم بسبب قرابتكم.
أقول: و يردّه أوّلا: أنّه كذب؛ فإنّ الداعي لإبلاغ الرسالة، و هداية الناس هو أمر اللّه
[١] . الأنعام( ٦): ٩٠.
[٢] . سبأ( ٣٤): ٤٧.