حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٧٧ - ١٨ الأمر بالمعروف
فيضعف ببطلان القاعدة المذكورة على ما حقّقناه في علم الكلام،[١] كما أنّ الاستدلال بوجوب دفع الضرر المحتمل من ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر المذكورين أيضا ضعيف؛ لأنّ الضرر الذي يحتمل في صورة الترك غير واجب الدفع، كضيق المعاش، و تسلّط الأشرار على الأخيار مثلا، و الواجب دفعه كالعقاب الأخروي، و الهلاكة الدنيويّة و غيرها لا يحتمل أصلا، أو احتمالا معتدّا به بعد قبح العقاب بلا بيان، و بعد التجربة، فافهم.
المطلب الثاني: ظاهر الآية المباركة أو صريحها أنّ وجوبهما كفائيّ، فما عن جمع من عينيّة الوجوب لا دليل عليه حتى رواية واحدة معتبرة سندا، و من الواضح أنّ القول بالعينيّة يجامع السقوط مع حصول المطلوب بترك العاصي الإصرار على المعصية، ضرورة امتناع التكليف به حينئذ بانتفاء متعلّقه، و إنّما يظهر فائدة القولين في وجوب قيام الكلّ به قبل حصول الغرض، و عدم كفاية قيام من به كفاية على الوجوب العينيّ، و سقوط الوجوب عمّن زاد على من به الكفاية من القائمين على القول الآخر. و حينئذ فلو أمر و نهى بعض و تخلّف بعض كان آثما على الأوّل و إن حصل المطلوب بالبعض الآخر، كما صرّح به غير واحد، لكنّ الآية كالصريحة في خلاف هذا القول، بل يمكن القول باستمرار السيرة المتّصلة إيضا على خلافه، فلا إثم على المتخلّف في الفرض المذكور. نعم، لو شكّ في قيام الغير به يجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؛ للأصل المطّرد في جميع الواجبات الكفائيّة، و هذا ظاهر.
المطلب الثالث: يمكن أن يكون التعبير في الآية الشريفة وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ ... بدل، فلتدع منكم أمّة إلى الخير و لتأمروا بالمعروف ... إشارة إلى وجوب الإعداد و تهيّة المقدّمات المحتاج إليها الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر المذكورين، فتدبّر.
المطلب الرابع: الظاهر من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر المأمور بهما في الآية الشريفة هو طلب الفعل و طلب الترك، قولا: فيقال لمن ترك واجبا: «افعله» و لمن يرتكب محرّما لا «تفعله»، و لا يكفي القول بأنّ ما تركته واجب، و للثاني: بأنّ ما فعلته
[١] . راجع: صراط الحق، ج ٢، ص ٣٢٩- ٣٣٥.