حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٥٨٦ - تعلم الأحكام
مخالفة الواقع، غير قبيح عند العقلاء.
فإن قلت: هذا إذا كان المكلّف به المجهول مقدورا في نفسه لو لا الجهل المانع من إحرازه و أمّا إذا كان الجهل به موجبا لعجز المكلّف منه في ظرفه، فيمكن المناقشة في وجوب تعلّمه بأنّ التكليف في حينه لا يبلغ مرحلة الفعليّة، لفرض خروجه عن قدرة المكلّف، فلا يلزم مخالفة للتكليف الفعلي، و لا تفويت الملاك الملزم، و من الظاهر عدم وجوب إيجاد ما هو شرط الملاك و التكليف.
قلت: يمكن أن نجيب عنه بوجوه:
الوجه الأوّل: ما عن المحقّق الأردبيلي و من تبعه من أنّ وجوب التعلّم نفسيّ، لكن إثبات ذلك من الأدلّة مشكل جدّا، بل هو طريقيّ.
الوجه الثاني: أنّ القدرة ليست دخيلة في ملاك الأحكام بحيث لو لم يقدر المكلّف على عمل، كان ملاكه غير تامّ؛ فإنّه غير بيّن و لا بمبيّن، بل القدرة إنّما هي شرط حسن التكليف و جواز الخطاب، ضرورة قبح خطاب العاجز بما يعجز عنه في ظرف العمل.
و عليه، فعجز المكلّف- و إن يبطل التكليف و توجّه الخطاب إلّا أنّه- لا يؤثّر في تماميّة الملاك، فتركه يوجب استحقاق العقاب عقلا، فلا بدّ من التعلّم دفعا للضرر المعلوم أو المحتمل، لكنّنا ذكرنا في مقدّمة هذا الجزء اعتبار القدرة شرعا في التكليف على الإطلاق، و على هذا الفرض يصبح غير المقدور غير مكلّف به، و لا علم لنا بكفيّة الملاكات غالبا إلّا بإلهام و شبهه، فلا يتمّ هذا الوجه أيضا، و لذا نجوّز إهراق الماء قبل دخول وقت الصلاة مع العلم بعدم تمكّننا من الماء بعده[١] للوضوء و لتطهير البدن، و كذا تنجيس البدن مع العلم بعدم إمكان تطهيره بعد دخول الوقت و نحو ذلك.
الوجه الثالث: بناء العقلاء على أنّ العجز الناشئ من قبل الجهل الممكن زواله، لا ينافي فعليّة التكليف، و لعلّه يرجع إلى ما بعده.
الوجه الرابع: رواية مسعدة بن زياد الدالّة بإطلاقها على وجوب التعلّم حتّى
[١] . و أمّا إضاعة الماء و ما يتيمّم به معا، فلا يمكن القول بجوازه؛ نظرا لما نفهم خارجا من مذاق الشرع و أهمّيّة الصلاة عنده.