حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٦٠ - ١٩٢ صلاة الجمعة
أقول: لكنّ الإنصاف عدم دلالة الآية على مدّعاهم؛ فإنّ اللّه سبحانه علّق وجوب السعي على الأذان، فيمكن أن يقال: إنّ تعليق الواجب على إتيان أمر مستحبّ و إن كان أمرا معقولا إلّا أنّه خلاف الظاهر، فإنّ طبع التعليق المذكور حسب الدلالة العرفيّة هو استحباب المعلّق حينئذ،- فتأمّل- و إن ناقشنا ذلك و أخذنا بظهور الأمر في الوجوب[١] فمفادّ الآية وجوب الصلاة بعد الأذان الذي يتبع رأي إمام الجماعة و قصده[٢] إمّا وحده أو مع قصد جمع لإقامة الصلاة المذكورة، و ليس في الآية ما يوجب إقامة هذه الصلاة ابتداء على المكلّفين حتّى يكون عقد الجماعة من مقدّماتها، فتجب لوجوبها، و منه يظهر أنّ ما ذكره العلّامة المشار إليها قدّس سرّه لا يخلو عن نوع مصادرة، فإنّه من أين أثبت أنّ الآية نزلت لوجوب إقامة الصلاة المذكورة و عقد جماعتها حتّى يرجع الإشكال في دلالتها إلى الاعتراض على اللّه سبحانه و تعالى (نعوذ باللّه منه)، بل الآية- حسب دلالتها- نزلت لوجوب اللحوق بالجماعة، و إيقاع الصلاة بعد قصد من يعقد الجماعة.
و بعبارة واضحة، الآية تدلّ على وجوب الحضور فى صلاة الجمعة التي نودي بها من قبل من يقيمها من المؤمنين من الإمام و المأمومين، و لا أقّل من قبل الإمام القاصد لها، لا على وجوب الإقامة ابتداء على الناس. نعم، وجوبها الابتدائي كبقيّة الصلوات أمر و وجوب الحضور بعد الإقامة أمر آخر، و المدّعى هو الأوّل و مدلول الآية هو الثاني، فتدبّر.
نعم، يدلّ بعض الروايات الصحيحة على أنّ صلاة الجمعة كانت فريضة على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله، لكنّ الآية الكريمة لا دلالة له على ذلك.
و أمّا ما أجاب الشهيد الثاني قدّس سرّه بأنّه إذا ثبت بالأمر أصل الوجوب حصل المطلوب؛ لإجماع المسلمين قاطبة فضلا عن الأصحاب، على أنّ الوجوب غير مقيّد بالأذان و
[١] . ربّما يمنع كون الأمر للوجوب، فإنّ السعي هو الإسراع في المشي و هو غير واجب، بل الواجب إدراك الصلاة، لكن الظاهر أنّ السعي كناية عن إدراك الصلاة و عدم فوتها، فإنّ وقتها ضيق ليس كوقت صلاة الظهر. ثمّ إنّ في تحديد وقت صلاة الجمعة أقوالا خمسة.
[٢] . فإنّ العادة قاضية بائتمار المؤذّن لأمر غيره من الإمام و نحوه، و ليس له الاختيار في أن يؤذّن للجمعة دون الظهر أو العكس، و لا يحتمل- ثبوتا- تعلّق الوجوب على مجرّد نداء مؤذّن كائنا من كان.