حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٣٩ - ١٢٤ الدعاء إلى الخير
الناس رهناء أحاسيسهم و عواطفهم، و بعيدون عن أحكام عقولهم، و الذي له النزع و الجذب، و يقوى على جرّ عوامّ الناس إلى المعارف الدينيّة و إقناعهم بحقّيّة الّدين هو أخلاق الداعين الحسنة الفاضلة، و مطابقة عملهم لقولهم و هدفهم و صدقهم و حسن نيّتهم في حقّ النّاس.
و بالجملة، الأخلاق الفاضلة و المعاشرة الحسنة، هما السببان الرئيسيان في رجوع جماعات كثيرة من كفّار الهند و الصين و غيرهما إلى الحقّ، و رغبتهم إلى دين الإسلام و اعتناقهم به في الأعصار الأوّليّة؛ لما رأوا من حسن خلق الجالية المسلمة، و حسن معاشرتهم مع فقدهم للمراتب العالية للعلم و الاستدلال، فيجب انتباه حملة العلم، و رجال الدعوة في العصر الحاضر إلى هذه النكتة، و عدم الاكتفاء- كلّ الاكتفاء- بالمؤلّفات و المنشورات؛ فإنّ التجربة أثبت فشلها في تمام التأثير، و كمال الإقناع.
بل الأمر كذلك في معجزات الرسل عليهم السّلام؛ فإنّها بمفردها و إن توجب إتمام الحجّة و قطع المعذرة عقلا إلّا أنّها لا تجذب أحاسيسهم إلى الدين و إقناعهم به، و لذا لم نفز في التأريخ على من أسلم بعد مشاهدة شقّ القمر و نحوه، و أصدق شاهد على ذلك قول اللّه سبحانه و تعالى: وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ.
فإنّه يدلّ على عدم كفاية معجزاته صلّى اللّه عليه و اله لجذب القلوب مع سوء الخلق، فيفهم منه أهمّيّة الأخلاق الحسنة في تأثير التبليغ، و إصابة الدعوة، و لأجله أمر اللّه رسوله عقيب الإخبار بانفضاضهم من حوله على فرض كونه فظّا غليظ القلب، بقوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ.
نعم، ليس حسن الخلق بمعنى ترك الحقّ لرضى الخلق، فلذا ختم اللّه الآية بقوله:
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.[١]
و بالجملة أنّ موضوع دعوة الناس إلى الدين موضوع الارتباط بالقلوب غالبا، و إنّما يرتبط بالعقول نادرا، فليس الأثر كلّ الأثر للدليل، بل للدين كما جاء في أوّل الآية
[١] . آل عمران( ٣): ١٥٩.