حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٧٤ - ٧٠ الجهاد
١. الجهاد الابتدائي الذي يحارب المسلمون الكفّار لأجل الدعوة إلى الإسلام. و هذا القسم جوازه- فضلا عن وجوبه- مشروط بإيصال الدعوة الدينيّة إلى الكفّار، و عدم قبولهم الإسلام، فلا يجوز للمسلمين أن يبدوا بمحاربة الغافلين عن الإسلام؛ إذ ليست الغاية القتل أو أخذ الأموال، و احتلال الأراضي، أو الحكومة أو السلطنة على الناس، بل الغاية شيوع الدين، و رجوع الناس إلى الحقّ، و إلى دين اللّه الفطريّ، فإذا احتمل أنّ الكفّار يسلّمون إذا التفتوا لا يبقى مجوّز للقتل و سفك الدم، و يمكن أن يستدلّ عليه بقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ[١].
نعم، إذا امتنعوا عن الإسلام و قبول الجزية- فيما يصحّ أخذ الجزيّة- جاز، بل وجب محاربتهم، و أمّا قبله، فلا يجوز بلا خلاف و لا إشكال[٢].
و كذا لا يجوز محاربة الكفّار الذين وصلتهم الدعوة الإسلاميّة، و لكن استمهلوا حتّى ينظروا في حقيقة الدين، كما يفهم من قوله تعالى: وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ، الخ. و في تعيين المدّة يراعي الحاكم الصلاح.
فإن قلت: مقتضى الإطلاقات الواردة في الكتاب و السنّة- و إن كان وجوب هذا القسم فضلا عن جوازه إلّا أنّ مقتضى بعض الآيات الأخر، اختصاص الجهاد و المقاتلة بالكفّار الذين يقاتلون المسلمين و أنّه ليس الجهاد الابتدائي واجبا، بل لا يكون جائزا.
قال اللّه تعالى: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا[٣]، وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ[٤].
بناء على تفسير الاعتداد بقتل من لم يقاتلونا و إلّا فالآية توجب الدفاع، و لا نظر لها إلى الجهاد الابتدائي نفيا و إثباتا. و نحن نوجب الجهاد الابتدائي بالآيات الأخر، فالعمدة هي الآية الأولى.
[١] . الأنفال( ٨): ٣٨.
[٢] . اعتمدنا في نفي الخلاف على تتّبع صاحب جواهر الكلام قدّس سرّه، كتاب الجهاد، ص ٥٥٧.
[٣] . النساء( ٤): ٩٠.
[٤] . البقرة( ٢): ١٩٠.