حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٤٦ - ٣٨ الثبات في الجهاد
(و إن كان المسلمون أقلّ من ذلك لم يجب الثبات)، كما صرّح به غير واحد؛ للأصل بعد انتفاء شرط الوجوب المستفاد من الكتاب و السنّة و الفتاوي المقتضي لانتفاء المشروط.
نعم، قد يشكل ذلك في نحو زيادة الواحد و الإثنين مع الضعف و الجبن في الكفّار، و الشجاعة و القوّة في المسلمين بإطلاق أدّلة الثبات بعد انسياق اعتبار كون العدوّ على الضعف، فأقلّ إلى ما هو الغالب من غير الفرض، و كذا الكلام في صورة العكس ... (و لو غلب على الظن السلامة استحبّ) الثبات، (و إذا غلب العطب يجب الانصراف) مع السلامة به؛ لوجوب حفظ النفس و حرمة التغرير بها. (و قيل: يستحبّ و هو الأشبه، و لو انفرد إثنان بواحد من المسلمين لم يجب الثبات).
أقول: و الأصل في التفصيل المذكور قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ* الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.[١]
فإن قلت: مدلول الآية هو الإخبار دون بيان الحكم الإلزاميّ المذكور في كلام الفقهاء، قلت: يستفاد الحكم المذكور من قوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ. كما لا يخفى.
ثمّ الظاهر اختصاص الحكم بما إذا لم يتفاوت الحال بين الفريقين المحاربين من غير جهة الكمّيّة كثيرا و إلّا لم يجر الحكم المذكور، كما إذا كان لأحد الطرفين أسلحة أقوى من أسلحة الطرف الآخر، كما في أعصارنا هذه.
ثمّ المراد من عدم تفقّه الكافرين- إن كان عدم فهمهم بأمور الآخرة- تختصّ الآية بغير أهل الكتاب القائلين بالثواب و العقاب، و إن كان عدم فهمهم بالأمور الحربيّة تصبح الآية على نحو القضيّة الخارجيّة دون الحقيقة، فلا تشمل كفّار أعصارنا المحيطين برموز الحرب و استعمال الأسلحة، و يؤيّد خارجيّة القضيّة اختلاف الحكم في زمن الرسول صلّى اللّه عليه و اله في مدّة قليلة، فكان الواجب على العشرين من المسلمين المقاومة
[١] . الأنفال( ٨): ٦٥- ٦٦.