حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٨٩ - ١٨ الأمر بالمعروف
صراط الحق[١]، لكنّ الظاهر وجوبه مع اجتماع شروطه، و لا بدّ من توجيه الروايات بوجوه غير منافية للوجوب، فإنّ الإمامة من أظهر أفراد المعروف و أهمّها عند الشارع، كما أنّه لا ينبغي الإشكال في عدم وجوبه في ترك العبادات الموقوفة صحّتها على الإسلام، للانصراف و اللغويّة.
و إنّما الأشكال في وجوبه في الفروعات التي لا تكون عباديّة، كالغيبة، و الكذب، و ردّ مال الغير، و الوفاء بالعقود، و نحو ذلك. فإن قلنا: إنّ الكفّار غير مكلّفين بالفروع، كما عن جمع من أصحابنا و غيرهم، فلا إشكال في عدم الوجوب، فإنّهم حينئذ كالمجانين، و أمّا إن قلنا بأنّهم مكلّفون بالفروع كتكليفهم بالأصول، كما هو المشهور المنصور،[٢] فرفع اليد عن إطلاق الآية المتقدّمة الدالّة على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر محتاج إلى دليل صارف، و ليس إلّا السيرة- فتأمّل-، و لم أجد عاجلا لأحد من العلماء فيه قولا و لا رأيا، و اللّه العالم.
المطلب الحادي عشر: بناء على مذهب المشهور من جواز الإيذاء و الضرب و الحبس، كما مرّ في المطلب الرابع، يشكل الأمر في صحّة العبادات التي يأتي بها المكلّف بداعي دفع الإيذاء أو رفعه؛ إذ العبادة لا بدّ أن تكون بداعي أمر اللّه، إمّا لأنّه أهل للعبادة، أو لخوف عقابه، أو لطمع ثوابه، أو لرضاه، و غيرها، و لم أذكر من حكم بصحّتها بداعي أمر شخص فرارا من إيذائه، فيكون داعيا إلى امتثال أمر اللّه تعالى.
و لا يمكن القول بعدم وجوب الأمر بالمعروف في العبادات؛ لعموم النصّ و الفتوى، و لا القول بالاكتفاء بالعبادة الصورية الفاقدة عن قصد القربة في مورد الأمر بالمعروف.
فيمكن أن يدفع الإشكال بأنّ هذا الإيذاء لمّا كان واجبا على المؤذي من جهة الأمر بالمعروف من قبل الشرع، كان الانقياد إليه طاعة، و انقيادا لأمر الشارع نفسه، فكما يصحّ امتثال الأمر بداعي الخوف من عقاب الآخرة، بل من انتقامه تعالى في الدنيا و عذابه العاجل، و كذلك يصحّ بداعي الخوف من إيذاء من سلّطه اللّه عليه تشريعا، و اللّه العالم.
[١] . صراط الحق، ج ٢، ص ٢٥٥ و ٢٥٦.
[٢] . راجع: الكافي، ج ١، ص ٣٥١- ٣٦٠.