حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٨٥١ - فيها أمران
و نحو ذلك، و لا أقلّ من احتماله المنافي للظهور في الفعلي.
و ثانيا: أن الرواية غير واردة في الإقرار، بل مدلولها مشروعيّة العفو عن مطلق حدود اللّه للإمام، و تقييدها بغير ثبوت موجب الحدّ بالبيّنة كما عن بعضهم، لا دليل عليه.
و ثالثا: أنّ تركيب الرواية لفظا لا يخلو عن إشكال، كما يظهر للمتدبّر[١].
و بالجملة، لا دليل يفي بفتوى المشهور، و الأحوط لزوما على الحاكم إجراء الحدود و التعزيرات؛ للأصل، و عدم العفو عنها و إن تاب المقرّ بعد إقراره أو قبله.
و أمّا عفو أمير المؤمنين عليه السّلام عن حدّ لائط أقرّ على نفسه، و قوله له: «قم يا هذا، فقد أبكيت ملائكة السماء، و ملائكة الأرض؛ فإنّ اللّه قد تاب عليك، فقم، و لا تعاودنّ شيئا، ممّا فعلت» كما في رواية مالك بن عطيّة الطويلة[٢]، فهي لا تدلّ على العموم أوّلا، و غير مربوط بالإقرار ثانيا، كما يفهم من قوله: «فإنّ اللّه قد تاب»، و قد مرّ أن جلد اللائط يسقط بالتوبة و الإصلاح، و هذه الرواية تدلّ على سقوط القتل بهما أيضا في فرض الإقرار، فلاحظ، و في سندها بحث.
الحكم الخامس عشر: إذا عفا ذو الحقّ حقّه، فلا موضوع للحدّ، و لا يجوز للحاكم الشرعي إصدار الحكم في حقوق الناس إذا لم يطالبوا، فضلا عن أن يعفو، كما يدلّ عليه روايات[٣]:
منها: صحيح الفضيل بن يسار عن الصادق عليه السّلام: «من أقرّ على نفسه عند الإمام بحقّ أحد من حقوق المسلمين، فليس على الإمام أن يقيم عليه الحدّ الذي أقرّ به عنده حتّى يحضر صاحب حقّ الحدّ، أو وليّه، و يطلبه بحقّه»[٤].
[١] . إذا فسّرنا قوله:« دون الإمام» في الموردين ب« ما لم يبلغ الإمام» لا:« بغير الإمام». و قرأنا الفعل في الموردين« يعفا» بصيغة المجهول لا تبقى صعوبة لفظيّة في البين و خرجت الرواية عن محلّ البحث رأسا. و معناها أنّ حقوق الناس قابلة للعفو ما لم تبلغ إلى الإمام( أي قبل المرافعة). و أمّا حقوق اللّه، فليست كذلك، و لا مفهوم لها يدلّ على العفو بعد المرافعة، إذ أنّ معنى كلمة« دون الإمام» في الموردين« غير الإمام» و المراد به في المورد الثاني صاحب الحقّ هو احتمال مرجوح، و إنّما يناسب فعل المبنيّ للفاعل في الموردين.
[٢] . وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٤٢٣.
[٣] . المصدر، ص ٣٤٣.
[٤] . و في صحيحه الآخر:« من أقرّ على نفسه عند الإمام بحقّ من حدود اللّه مرّة واحدة، فعلى الإمام أن يقيم الحدّ عليه ...».