حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٨٥ - ١٨ الأمر بالمعروف
٥. عمل الآمر و الناهي بما يقول؛ لقوله تعالى: لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ و قوله تعالى: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ و قد بحثنا عن مدلول الآية في حرف «ق» في الجزء الأوّل، فراجع.
أقول: أمّا الشرط الأوّل: فالإيراد على دليله واضح؛ فإنّ الأمن المذكور إنّما يوجب تحصيل العلم بالمعروف و المنكر مقدمّة، و لا يوجب اشتراط وجوبهما بحصول العلم، فالصحيح أن يستدلّ على اعتباره بأنّ الجاهل لا يحرز ترك المعروف و إتيان المنكر من غيره، بل مقتضى أصالة الصحّة البناء على جواز الفعل و الترك الصادرين من المسلم ما لم يعلم فساده، و هذا معنى اشتراط الوجوب بالعلم، لكنّ اعتبار هذا الشرط لا يوجب انتفاء المشروط في الواقع، بل بحسب الظاهر، فقط كما لا يخفى.
و أمّا الشرط الثاني: فاعتباره مبنىّ على أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر المذكورين لأجل إتيان المعروف و ترك المنكر لا أنّهما تعبّديان، و يؤكّده الإجماع المنقول المذكور، لكن هذا إذا علم عدم التأثير، و أمّا في صورة الاحتمال- و إن كان مرجوحا- فمقتضى الإطلاق وجوبهما، فلا عبرة بالأمارة الظّنّية على نفي التأثير، و لعلّ مقصودهم منها الوثوق و الاطمئنان الذي هو علم عرفا.
و أمّا الشرط الثالث: فاعتباره لأجل أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر المذكورين لم يشّرعا لأجل تعيير العاصي حتى يجبا بمجرّد المعصية، بل لأجل حمل المكلّف على الطاعة و العدول عن المخالفة، و هذا إنّما يتحقّق بإحراز الإصرار، فإذا علم أو ظنّ أو احتمل- احتمالا عقلائيا- عدم إصرار العاصي على المعصية، لم يبعد عدم الوجوب، و منه يظهر أنّ من يقصد المعصية- و لو مرّة واحدة- يجب أمره أو نهيه صونا عن المخالفة. و كذا يجبان في حقّ من عصى مرّة واحدة، و يعلم عدم عوده، لكنّه مع التفاته إلى التوبة و لا يتوب، فإنّ التّوبة واجبة، فيجب أمره بها.
و أمّا الشرط الخامس: ففيه أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من دون الائتمار و الانتهاء في محلّ الابتلاء و إن كانا محرّمين على وجه أظهر كما مرّ، إلّا أنّه ليس بمعنى اشتراط وجوبهما بهما، بل هما واجبان مطلقا و يجب الائتمار و الانتهاء في