حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٨٣١ - ٤٥٠ التوكل
و الادّخار لتجدّد الاضطرار، و التداوي لأزالة المرض، و التحرّز عن النوم في ممرّ السيل، و مسكن السباع، و تحت الحائط المائل، و غلق الباب، و عقل البعير[١].
أقول: ظاهره أنّ التوكّل فيما يتوقّف على أسباب وهميّة و غير عقلائيّة هو ترك الإقدام، و فيما يتوقّف على أسباب قطعيّة أو ظنّيّة هو عدم الاعتماد التامّ على الأسباب، و تجويز أن يقطع اللّه بينها و بين مسبّباتها، و لكن فرقه بينهما بلا فارق؛ فإنّ التوكّل إن تحقّق بما ذكره في القسم الثاني يتحقّق في القسم الأوّل أيضا جزما، و لا يتوقّف على ترك الإقدام رأسا، و كثيرا ما من الأسباب غير العقلائيّة أصبحت في ظلّ التجربة، و التدبير، و التعقيب أسبابا عقلائيّة، بل عامّة المنفعة لعباد اللّه تعالى، كما في أدوية الطبّ الحديث.
فالسعي إلى جميع الأمور و بجميع أقسامه لا ينافي التوكّل و أمّا ما ذكره أوّلا فهو بظاهره خطابيّ أو شعري، فإنّ الاعتقاد بقدرة اللّه تعالى و علمه، و أنّه خالق كلّ شيء، و أنّ الوسائط و الأسباب المتوسّطة مقهورات و مسخّرات لقدرته تعالى، لا يمنع من الاعتقاد بأمر محسوس آخر و هو تأثير هذه الأسباب في مسبّباتها، و أنّ اللّه تعالى هو الذي أعطى السببيّة و التأثير للأسباب المذكورة حتّى في موارد كراهة اللّه سبحانه و تعالى في عالم التشريع، كالكفر، و القتل، و الزنا، و اللواط، و تخريب الدين، و إضلال الناس، و سائر أنواع الفسق، و العصيان، و الفجور.
نعم، لا شكّ في انتهاء جميع الأسباب ذاتا و وصفا بما فيه إرادة الإنسان و اختياره إلى إرادة اللّه سبحانه و تعالى[٢].
فلا يمكن تفسير التوكّل بالبناء على عدم تأثير هذه الوسائط و العلل المادّيّة، و الأسباب غير المادّيّة، و انحصار التأثير في إرادة اللّه سبحانه وحده مجرّدة؛ فإنّ اللّه تعالى نفسه أبى أن يجري الأمور إلّا بأسبابها، و هو مسبّب الأسباب.
و الظاهر أنّ مراده نفي العلّيّة التامّة، و التأثير المطلق؛ فإنّ الأسباب بأسرها لا تستقلّ بالتأثير من دون إرادة اللّه تعالى، سواء قلنا: إنّها معدّات، أو قلنا بسببيّتها؛ إذ على الثاني
[١] . راجع: جامع السعادات، ج ٣، ص ١٧٦- ١٨٣. و في أكثر كلماته نظر أو منع.
[٢] . راجع كتابنا: صراط الحق، ج ٢، فإنّا فصّلنا فيه مباحث: الجبر، و التفويض، و الأمر بين الأمرين.