حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٨٣٠ - ٤٥٠ التوكل
السعي في ما لا يسعه قدرة البشر فيأتي بالسبب و لا يحسب أنّ المسبب منه، كحديث:
«اعقل راحلتك و توكّل (على اللّه)».
و قال بعض علماء الأخلاق:
التوكّل اعتماد القلب في جميع الأمور على اللّه.
و بعبارة أخرى: حوالة العبد جميع أموره على اللّه. و بعبارة أخرى: هو التبرّي من كلّ حول و قوّة و الاعتماد على حول اللّه و قوّته، و هو موقوف على أن يعتقد اعتقادا جازما بأنّه لا فاعل إلّا اللّه، و أنّه لا حول و لا قوّة إلّا باللّه، و أنّ له تمام العلم و القدرة على كفاية العباد، ثمّ تمام العطف و العناية و الرحمة بجملة العباد و الآحاد ... فإنّ عماد التوكّل أن ينكشف للعبد بإشراق نور الحقّ بأنّه لا فاعل إلّا هو، و أنّ ما عداه من الأسباب و الوسائط مسخّرات مقهورات تحت قدرته الأزليّة ...- إلى أن قال في بيان مورد التوكّل-:
إنّ الأمور الواردة على العباد إمّا أن تكون خارجة عن قدرة العباد و وسعهم، بمعنى أن لا تكون لها أسباب ظاهرة قطعيّة أو ظنّيّة لجلبها أو دفعها، أو تكون لها أسباب جالبة لها أو دافعة، إيّاها إلّا أنّ العبد لا يتمكّن منها، فمقتضى التوكّل فيها ترك السعي بالتمحّلات و التدبيرات الخفيّة و حوالتها على ربّ الأرباب، و لو دبّر في تغييرها بالتمحّلات و التكلّفات، لكان خارجا عن التوكّل رأسا، أو لا تكون خارجة عن قدرتهم، بمعنى أنّ لها أسبابا قطعيّة أو ظنّيّة يمكن للعبد أن يحصّلها و يتوصّل بها إلى جلبها أو دفعها؛ فالسعي في مثلها لا ينافي التوكّل بعد أن يكون وثوقه و اعتماده باللّه دون الأسباب، و مجوّزا في نفسه أن يؤتيه اللّه مطلوبه من حيث لا يحتسب دون هذه الأسباب التي حصّلها، و أن يقطع اللّه هذه الأسباب عن مسبّباتها.
و مثّل للأولى و هو الأسباب الموهومة بالرقية، و الطيرة، و الاستقصاء في دقائق التدبير، و إبداء التمحّلات لأجل التبديل و التغيير، فيبطل بها التوكّل؛ لأنّ أمثال ذلك ليست بأسباب عند العقلاء.
و مثّل للثاني و هو الأسباب القطعيّة و الظنّيّة بمدّ اليد إلى الطعام للوصول إلى فيه، و حمل الزاد للسفر، و اتّخاذ البضاعة للتجارة، و الوقاع لحصول الأولاد، أخذ السلاح للعدوّ،