حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٦٩ - تقعيب و تفصيل
و لا دليل لنا على إسقاطها تبعة الظلم و حقّ الغير، فاحتمال بقاء حقّ الغير يقتضي أن يحكم العقل بدفع الأكثر، و سيأتي في عنوان «التوبة» بعض ما يناسب المقام إلّا أن يقال: إنّ الشارع يحكم لأجل تشريع الاستصحاب بأنّ المأخوذ هو الأقلّ دون الأكثر.
و معه لا شيء على المكلّف مطلقا، فتأمّل.
أمّا الثالث، فيجري فيه استصحاب عدم ملكيّة الزائد، فلا يجوز له منع المالك عن الأكثر إذا ادّعاه. و أمّا إذا شكّ هو أيضا فالأصل المذكور يجري في حقّه أيضا، و حينئذ تصل النوبة إلى القرعة إذا لم يصالحا و لم يدّعه الثالث، بل علم عدم ملكيّة الثالث له، فإن خرج الأكثر باسم المالك، فهو و إلّا فيجري فيه ما ذكرناه آنفا.
هذا كله إذا كان المالك معلوما بعينه، و أمّا إذا كان مردّدا في عدد محصور، ففي وجوب التخلّص من الجميع و لو بإرضائهم بأيّ وجه كان، أو وجوب التصدّق، أو استخراج المالك بالقرعة، أو دفعه إلى واحد منهم، أو توزيع ذلك المقدار عليهم بالسّوية وجوه. و لا يفرق في الحكم كون المال معلوم المقدار أو مجهول المقدار بعد ما تبيّن حاله فيما سبق.
أقول: أمّا الوجه الأخير الّذي قوّاه صاحب العروة قدّس سرّه، فدليله قاعدة «العدل و الإنصاف» المعمولة عند العقلاء، لكنّ حجّيّتها بنحو تتقدّم على قاعدة «الاشتغال» و «القرعة» غير واضحة[١]، و يلحق به الاحتمال الثاني؛ فإنّ مورده جهل المالك من رأس، فلا مسرح له في المقام. و أمّا الوجه الرابع، فهو مبنيّ على ترجيح الموافقة الاحتماليّة على المخالفة القطعيّة المستلزمة للموافقة القطعيّة في الجملة، و الأمر يدور بين الوجه الأوّل و الثالث.
و لا ينبغي الإشكال في الرجوع إلى القرعة إذا لم يتمكّن الدافع من إرضاء الكلّ بأداء المال للجميع؛ إذ أيّ قضيّة أعدل من القرعة حينئذ، و كذا إذا رضوا بها (أي بالقرعة)، و أمّا إذا لم يرضوا بها و كان الدافع متموّلا و متمكّنا من أداء المال للجميع،
[١] . ذكرنا بعد ذلك قاعدة العدل في بعض كتبنا الفقهيّة( آخر كتاب الأرض في الفقه)، و دلّلنا عليها بآيات من القرآن الكريم، فأصبحت من القواعد التي تستنبط منها الأحكام الكلّيّة الشرعيّة.