حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٦٦٨ - تعقيب و تنقيد
نعم، لا بدّ من التنبيه على شيء و هو أنّ إجراء الحدود ليس أمرا بسيطا غير متوقّف على المعرفة التامّة بالأحكام الشرعيّة، بل لا بدّ لمقيم الحدود من العلم بجميع الأحكام المتعلّقة بها؛ لئلّا يقع في الكبائر الموبقة، كالظلم، و التوهين، و الغصب، و القتل، و نحو ذلك، فينتهي الأمر بالآخرة إلى انحصار التكليف بإقامة الحدود بالعلماء المأمونين و المتمكّنين.
ثمّ الأرجح عندي عدم اعتبار الاجتهاد فيه، أي لا يعتبر أن يكون علم المقيم مستندا إلى الاستدلال الصناعي؛ لعدم دليل عليه. و ما استدلّ به عليه ضعيف لا يوجب الاعتماد عليه، بل يكفيه مطلق العلم، سواء استند إلى اجتهاده، أو إلى تقليده الصحيح، فإذن جاز إقامة الحدود للعلماء المنتشرين اليوم في البلاد و القرى و إن لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد و لو تجزّيا إذا أحاطوا بالشروط و القيود الشرعيّة المتعلّقة بها علما و فهما، و كانوا أمناء صلحاء أتقياء.
تعقيب و تنقيد
استدلّ لجواز إقامة الحدود للفقهاء في حال الغيبة بوجوه:
منها: مقبولة عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحلّ ذلك؟ فقال:
«من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنّما يأخذ سحتا و إن كان حقّه ثابتا؛ لأنّه أخذ بحكم الطاغوت، و قد أمر اللّه أن يكفر به»، قلت: كيف يصنعان؟ قال: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فارضوا به حكما؛ فإنّي قد جعلته حاكما؛ فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما بحكم اللّه قد استخفّ، و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه»[١].
و بها استدلّ على اعتبار الاجتهاد في القاضي و الحاكم، لكنّ المناقشة فيه من وجوه:
أوّلا: أنّ الجمود على قوله عليه السّلام: «فإنّى قد جعلته حاكما» و الأخذ بإطلاقه ليشمل
[١] . الكافي، ج ٧، ص ٤١٢.