حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢٨ - ٩٨ حفظ النفس المسلمة
هذا ما عندي في هذا المقام، و اللّه عالم بحقيقة الحال. و على كلّ، قد استثني من الحكم المذكور (أي وجوب حفظ النفس المحترمة) موارد ثلاثة:
أوّلها: ما إذا شرط الكافر في الجهاد أن لا يقاتله غير المسلم المقاتل؛ فإنّه واجب الوفاء بلا خلاف يجده صاحب الجواهر إلّا من ابن الجنيد. و معنى هذا الوجوب عدم جواز الدفاع عن المؤمن، و عدم وجوب حفظ نفسه و إن حصل العلم بقتله بيد الكافر، و هذا ممّا يمكن فهمه من السيرة الخارجيّة المنقولة عن الحروب الدينيّة في صدر الإسلام و يشير إليه إطلاق الاستثناء في قوله تعالى في الجملة: وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ[١] و لاحظ عنوان «النصر» في الجزء الثاني و هو المورد الثاني من الاستثناء. فلاحظه.
ثالثها: هل يجب إرضاء ورثة المقتول للعفو عن القاتل المسلم أو المؤمن و لو بإعطاء الدية لهم؟ الصحيح عدم الوجوب، كما يفهم من السيرة المتّصلة بزمان النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه و اله، بل لو علم المكلّف خلاص القاتل بمجرّد الشفاعة إلى ورثة المقتول لم يجب و إلّا لبان و اشتهر و حيث لا فلا.
ثمّ إنّه لا شكّ في وجوب حفظ نفس المكلّف عليه أيضا لعين ما مرّ هناك، و لأجله ذهب جماعة من الفقهاء إلى وجوب حفظ القاتل نفسه من القصاص بإرضاء ورثة المقتول و لو ببذل الدية[٢].
و ربّما نسب إلى المشهور عدم وجوب حفظ النفس في مثل المقام، و أنّ للقاتل عدم بذل الدية و تمكين ورثة المقتول من قتله.
أقول: و لعلّه غير بعيد؛ إذ لو كان هو واجبا لاشتهر و ذاع و بان، حيث لا- حتّى في مورد واحد، فإنّا لم نر أمرا من النبيّ الأكرم أو أحد الأئمّة توجّه إلى القاتل بوجوب بذل الدية و حفظ نفسه- فلا.
[١] . الأنفال( ٨): ٧٢.
[٢] . راجع: جواهر الكلام، ج ٤٢، ص ٢٨٠.