حدود الشريعة - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٣٧ - ٣٧ التوبة
و قد روى محدّثو الإماميّة عن أئمّة اهل البيت عليهم السّلام أحاديث متكثّرة في أنّه لا تقبل التوبة عند ظهور الموت، و علاماته، و مشاهدة أهواله[١].
أقول: و في صحيح جميل، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «إذا بلغت النفس هاهنا- و أشار بيده إلى حلقه- لم يكن للعالم توبة» ثمّ قرأ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ ...[٢]».
أقول: لا يبعد انصراف الآية وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ ... في نفسها إلى العالم، فلا تنفي قبول توبة الجاهل عند الموت، و هذه الرواية نعمت المؤيّده عليه، و على هذا، فمن التفت حين حضور الموت إلى أنّ أعماله كانت سيّئة و هو كان جاهلا بحرمتها صحّت توبته، و إنّما المردود حين حضور الموت توبة العاصي العالم بمعصيته.
لا يقال: إنّ الجاهل لا يستحقّ العقاب حتّى يحتاج إلى التّوبة؛ فإنّه يقال:
أوّلا: أنّ أثر التوبة لا ينحصر في إسقاط العقاب؛ أذ لعلّها تؤثّر في تحلية النفس و إشراق الباطن، فهي من التكامل المخلوق له الإنسان.
ثانيا: إنّما لا يستحقّ العقاب الجاهل القاصر، و أمّا المقصّر، فهو كالعامد في استحقاق العقاب و إن كان العالم أسوأ حالا منه، فلهذا يقبل توبته دون العالم حين المعاينة.
٥. توقّف المغفرة و الرحمة على التوبة و الإصلاح معا دون مجرّد التّوبة، كما يستفاد من الآيتين الأخيرتين، و مثلهما قوله تعالى: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ[٣] و غيره و هو كثير في القرآن، و لا يبعد تقييد بعض الآيات المطلقة بهما، كقوله تعالى: ... ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ و قوله تعالى: وَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ و بالمقيّدات الكثيرة المذكورة، لكنّ الكلام في معنى الإصلاح المذكور و هو يحتمل وجوها:
[١] . الأربعين( للبهائى) ص ٣٣٧، ذيل ح ٣٨.
[٢] . البرهان، ج ١، ص ٣٥٣؛ بحار الأنوار، ج ٦، ص ٣٢. و كانت للجاهل توبة، لكن مصدر الرواية لم يصل إلى المجلسى بسند معتبرة مناولة، فتصبح الرواية غير معتبرة، نعم، هي مؤيّدة و إن لم تكن بحجّة.
[٣] . المائدة( ٥): ٣٩.